مخازن الطرق السريعة.. «أوكار» فى خدمة الفوضى والإرهاب
بينما تهرول السيارات على الطرق السريعة التى تحيط بالقاهرة الكبرى من الجهة الشمالية على مدار ساعات الليل والنهار، يدور على جانبيها نشاط من نوع آخر، بعيداً عن أعين المارة، حيث تتراص بنايات ضخمة مكونة من طابق واحد بارتفاعات شاهقة، تتجاوز الـ10 أمتار، تُخزَّن وتُصنَّع بداخلها أنشطة محرمة تجرمها القوانين، ما بين ورشة بدائية ومصانع «بير سلم» ومخازن مجهولة الهوية والبضائع.
تظهر هذه البنايات أو المخازن كما تعلن هيئتها أمامك أثناء سيرك بالسيارة على الطريق الدائرى الغربى، وتحديداً فى منطقة المرج التابعة لمحافظة القاهرة وحتى «القومية» التابعة لمحافظة الجيزة. للوهلة الأولى تعطى تلك البنايات انطباعاً بأنها مغلقة أو لا تعمل، وبمجرد الاقتراب منها تتسرب أصوات المعدات من داخلها، ويظهر من الأبواب المواربة نفر من العاملين بملابس رثة، دون أن يظهر النشاط الذى يعملون فيه.
«القومية» أحد الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية بمنطقة إمبابة التى يغلب عليها الطابع الشعبى، تتزاحم على أطرافها هذه النوعية من البنايات العشوائية التى تحولت إلى مخازن بناء على رغبة أصحابها أو مستأجريها، وتتناثر على جانبى الطريق الدائرى. ترجع نشأتها إلى نهاية التسعينات من القرن الماضى، بحسب رواية ممدوح ربيع، الذى يقيم بالمنطقة، موضحاً أن بدايتها كانت بسبب سعى بعض الشركات لتوفير مخازن على أطراف القاهرة الكبرى بهدف تسهيل عملية توزيع منتجاتها، وهو ما دفع العشرات من أصحاب الأراضى الزراعية إلى إنشاء مخازن عليها بهدف الاستثمار، فبحسب كلامه: «مشروع المخازن مربح وله عائد مادى كبير»، وفى ظل الانفلات الأمنى الذى استمر على مدار الأعوام الثلاثة الماضية منذ ثورة يناير 2011، تضاعف عدد هذه المخازن غير المرخصة، كما يقول سالم رمضان، أحد قاطنى منطقة القومية، لتتحول المنطقة الملاصقة للطريق الدائرى إلى مجمع لتخزين وتصنيع منتجات مجهولة بعيداً عن أعين الرقابة، وساهم فى انتشارها ارتفاع العائد المادى مقارنةً بالتكلفة المحدودة نسبياً لعملية إنشائها، بحسب تقدير «سالم».
جدران من الطوب الأحمر تكسوها طبقة أسمنتية رقيقة، يعلُوها سقف من الصاج المجلفن، مطلى باللون الأزرق، ومثبت على كمرات حديدية، بشكل مائل على الجانبين، وبوابة حديدية تتحرك على مجرى؛ هكذا يظهر الشكل الخارجى للمخزن من الخارج، الذى لا يختلف فى ظاهره العشوائى عن نشأته العشوائية، التى لا تعرف عنها السجلات الحكومية شيئاً.
وتتنوع أنشطة هذه المخازن، كما رصدتها «الوطن» بالصور، ما بين مخازن للوقود المهرب، وأخرى للمواد الغذائية للعديد من الشركات صاحبة علامة تجارية مميزة، وتعمل فى بيع أكياس البطاطس الشيبسى، لكنها لا تراعى أى اشتراطات صحية فى تخزينها على عكس المدون على هذه العبوات التى تنص على ضرورة حفظ المنتج فى مكان بارد وجاف. بالإضافة إلى مصانع «بير السلم» التى تمارس عملها فى خفية داخل هذه المخازن، ولا تفتح أبوابها إلا أثناء دخول مواد خام أو خروج بضائع.
تمتد المخازن العشوائية على الطريق الدائرى الواصل إلى طريق «مصر - إسكندرية» الزراعى، بحكم طبيعة المنطقة التجارية والصناعية الممتدة من شبرا الخيمة وحتى مدينة قليوب، وهى المنطقة التى ضبطت فيها قوات الأمن مخزن المتفجرات بقرية عرب شركس، حيث قامت باستئجاره عناصر من تنظيم «أنصار بيت المقدس» المصنفة كأخطر التنظيمات الإرهابية التى تورطت فى استهداف الأجهزة الأمنية «مبانى وأفراد» على مدار العام الماضى، وضبطت فيه أجهزة الأمن ما يقرب من 6 أطنان من المواد المتفجرة والأحزمة الناسفة، و30 قنبلة بدائية الصنع، وأسفرت تحريات الأجهزة الأمنية عن أن هذه العناصر استأجرت هذا المخزن منذ 6 أشهر، ولم يتمكن أهالى المنطقة من اكتشاف أمرهم، وكانت عملية اقتحام قوات الأمن للقرية مفاجأة لهم.[FirstQuote]
«مخزن للإيجار للأغراض المختلفة».. كلمات محدودة دوِّنت على جدران وبوابات بعض هذه البنايات ممهورة برقم تليفونى، دفعت «الوطن» للاتصال بأصحاب هذه المخازن بهدف الاستعلام عن الإيجار الشهرى ومبلغ التأمين ومدة الإيجار، وهل هى مرخصة وبها مرافق أم لا.
المكالمة التى تم تسجيلها بدأت بالترحيب، والاستعلام عن هوية المتصل، هل يمثل شركة أم فرداً، حيث أكد الطرف الآخر أن المخزن الذى نسعى لاستئجاره تبلغ مساحته 550 متراً، وله مميزات كثيرة، حدد بعضها بأنه يطل على الطريق الدائرى مباشرة، وقريب جداً من طلعة الدائرى، ما يسهل عملية الدخول والخروج، وبالاستعلام عن ترخيص المخزن جاء الرد: «إنت هتعوز التراخيص فى إيه؟ لو عايز كهربا ممكن نجيبلك وصلة لحد ما ييجى العداد»، مضيفاً وهو يضحك: «الموضوع عادى، وأبسط من كده، وممكن نجيب وصلة مية كمان لو عايز»، وأسفرت المكالمة التى لم تتجاوز الـ7 دقائق عن أن الإيجار الشهرى 8 آلاف جنيه و40 ألف جنيه تأميناً، مبرراً ذلك بمساحة المخزن الكبيرة، ولم ينسَ صاحب المخزن أنه يوجد لديه مخزن آخر بأجر أقل، بسبب مساحته الصغيرة ووجوده خلف المنطقة السكنية، ولا تتوافر فيه مميزات المخزن الأول.
على طريق القاهرة الإسماعيلية الزراعى، توجد هذه النوعيات من المخازن بكميات كبيرة، بعضها مرخص، كما يقول سعد حسين، مدير أحد هذه المخازن، صادر لها تراخيص من محافظة القليوبية، والبعض الآخر بنايات حديثة ولا يوجد لها تراخيص، خاصة التى بمنطقة بهتيم وعلى يمين المدخل الرئيسى لقرية بلقاس من جهة طريق الإسماعيلية الزراعى.
سرقة الكهرباء هى السمة السائدة بين هذه البنايات التى تسعى إلى توفير التيار الكهرباء، كما تظهر وصلات الكهرباء الممتدة من أعمدة الإنارة المتراصة على جانبى الطريق الدائرى إلى العديد من هذه البنايات، رغم أن بعضها يضم معدات معروفة باستهلاكها المرتفع للكهرباء مثل مخازن الخردة، التى يتم فيها عمليات تقطيع وفرز باستخدام ماكينات لحام الحديد والصاروخ وغيرها.[SecondQuote]
يؤكد أحد المصادر من داخل حى غرب محافظة القليوبية، أن هذه المخازن صادر لها قرارات إزالة، وتعتبر تعدياً على الأراضى الزراعية ولم يصدر لها أى تراخيص، تصل إليها المرافق ضمن العداد الكودى المخصص للمناطق العشوائية أو سرقة أصحابها للتيار الكهربائى بوصلات عشوائية، مرجعاً السبب فى انتشارها إلى الفوضى الأمنية التى سادت الشارع المصرى على مدار السنوات الماضية منذ ثورة يناير.