أمريكا.. إعادة تمكين الفوضى
فى مايو من العام 1996، وأثناء مقابلة تليفزيونية مع قناة «سى بى إس»، سألت المذيعة وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت قائلة: «سمعنا أن 500 ألف طفل عراقى ماتوا حتى الآن -كانت تقصد الحصار الأمريكى للعراق منذ العام 1991- وهذا العدد يفوق عدد الناس الذين ماتوا فى هيروشيما وأنت تعلمين بذلك، فهل يستحقون ذلك»؟ فأجابت أولبرايت بلا تردد وبثقة: «أعتقد أن الخيار صعب للغاية، ولكن هل يستحقون ذلك أم لا، نعم.. أعتقد أنهم يستحقون ذلك».
لا أعرف لماذا تذكرت ذلك التصريح -الذى يعبر عن قيم الولايات المتحدة الحقيقية التى يعكسها سلوكها الواقعى على مر السنين على سبيل المثال لا الحصر كما حدث فى هيروشيما ونجازاكى بالقنبلة الذرية عام 1945، وقتل مئات الآلاف فى حرب فيتنام، وتمويل ميليشيات الكونترا المسلحة الإجرامية فى نيكارجوا، وضرب ملجأ العامرية فى العراق- وأنا أستمع لبيان الخارجية الأمريكية يوم السبت 13 فبراير الجارى وهو يعلن عن شطب المتمردين الحوثيين فى اليمن من القائمة السوداء للمنظمات الإرهابية، مؤكداً أن القرار سيدخل حيّز التنفيذ غداً الثلاثاء 16 فبراير 2021، فى ذات الوقت الذى برر فيه القرار بالقول إنه إنسانى على الرغم من تصاعد القتال والهجمات التى يقوم بها الحوثيون، ولكن الحالة الإنسانية لملايين الأطفال والعجائز والنساء فى اليمن هى التى دفعتهم لاتخاذ القرار!
يا الله ما أرقّ قلب الولايات المتحدة التى انتظرت أكثر من 5 سنوات لتتخذ هذا القرار الإنسانى بعد أن رعت حرب الوكالة فى اليمن بين جناح سُنى تعلن مناصرتها ودعمها وحمايتها له زوراً، وجناح شيعى تعلن عداءها ومحاربتها ومواجهتها له كذباً. فلا هى تحمى المملكة العربية السعودية ولا هى تعادى إيران، وكلتاهما بالنسبة لها آلة الحرب وحطبها كى تظل نارها مشتعلة لتنعم واشنطن بالسيادة والتمكين وبيع السلاح. حرب وصلت فيها الروح إلى حلوق اليمنيين وتركتهم صرعى الكوليرا والرصاص والمتفجرات والجوع. نعم 20 مليون يمنى عاشوا الجوع وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة التى وصفت أزمتهم بأسوأ أزمة إنسانية.
الحمد لله حلت مشكلتهم واشنطن!
أتوقف هنا عند إشارة موقع «إندبندنت عربية» لمقال الكاتب جورج مالبرونو بصحيفة لوفيجارو الفرنسية يوم 19 يناير الماضى وحمل عنوان «بايدن يتفاوض بالفعل مع إيران»، حيث أكد الكاتب نقلاً عن دوائر صناعة القرار فى طهران حدوث مناقشات بالفعل بين مندوب إيران فى نيويورك وبين مبعوث إدارة بايدن وتأكيدات عن حدوث تقارب وتصاعد احتمالات عودة الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق النووى الموقع عام 2015 والمعروف باسم «5+1».
يتوافق هذا مع زيارة المبعوث الأممى لليمن مارتن جريفيث إلى طهران منذ نحو عشرة أيام فى زيارة تُعد الأولى من نوعها بهدف بحث كيفية إنهاء الحرب فى اليمن واستئناف العملية السياسية بين الأطراف المتنازعة؟! هكذا تعود الولايات المتحدة للعب أدوارها المعتادة على الساحة السياسية فى المنطقة.. ذات اللعبة وذات الأسلوب المصحوب بالترهيب لجانب والابتزاز لجانب آخر. نعم، صدقت المملكة وعود وتهديدات إدارة ترامب الأمريكية فدفعت، وفقاً للرئيس الأمريكى السابق، 396 مليار دولار لحمايتها من إيران وإعلان حالة حرب ضدها! وتمادت إيران فى التسليم باتفاقها النووى فراحت تنفق ما كسبته بعد رفع العقوبات عنها بعد الاتفاق على مزيد من التمدد فى عالمنا العربى، ليعلن مسئولوها بفخر أن إيران باتت تسيطر على أربع عواصم عربية «اليمن، لبنان، سوريا، العراق» دون أن تدرك كلتاهما أنهما لا شىء سوى قطع تحركها واشنطن كيفما شاءت لخدمة مصالحها وتمكين إسرائيل فى المنطقة وبسط نفوذها. وإلا هل يمكن للسادة الأمريكان تفسير ضرب الحوثيين لصواريخ تطال السعودية ولأكثر من مرة بينما قواعد الصواريخ الأمريكية تحيط بشبه الجزيرة العربية؟ هل يمكنهم تبرير وجود الأسطول الخامس الأمريكى فى الخليج عند البحرين بينما أكبر شركة بترول سعودية تُضرب بصواريخ الحوثى؟ أو ماذا تفعل القاعدة الأمريكية فى جيبوتى عند مدخل باب المندب؟
ستعود أمريكا لاتفاق إيران النووى لا لتنتج إيران القنبلة النووية كما تطمح، ولا من أجل حماية أصدقاء أمريكا فى الخليج كما تتمنى دوله، بل لمزيد من الابتزاز والتمكين وتغيير الخطط لتحقيق المزيد من الفوضى والسيطرة. فهل نتعلم؟