لقد وقع بعض المصريين، خاصة الشباب المنتمى لتيار الإسلام السياسى، فى حالة من الكفر بالوطن وكراهية المصريين، تنعكس فى تعليقاتهم وكتاباتهم على الإنترنت، ما يجعل هؤلاء قنابل موقوتة طوال الوقت، والسؤال الآن: كيف نشأ هذا الشعور السلبى تجاه الوطن وتجاه أهله؟ وكيف يمكن علاجه؟
إن الأحداث بعد ثورة يناير شهدت صراعات وانقسامات حادة تبادلت فيها التيارات السياسية والدينية كل أنواع الاتهامات والأوصاف السلبية التى تصل إلى درجة العنصرية والتخوين والتكفير، وكان كل تيار يزرع الكراهية والبغضاء فى نفوس أتباعه ضد الطرف الآخر، وسادت حالة من الاستقطاب الشديد والخطر كادت تصل إلى حرب أهلية. وفى هذه الظروف لم يتورع أى طرف عن استخدام كل أنواع الشتائم والأوصاف، بل وأشدها قبحاً وبذاءة للنيل من الطرف الآخر وتحقيره وازدرائه وشيطنته.
ووصل الإخوان للحكم وأمسكوا بمقاليد السلطة وشعرت التيارات الأخرى اليسارية والعلمانية والليبرالية والعروبية والناصرية بالغضب والغيظ والقهر، خاصة أن الإخوان استبعدوهم تماماً من منظومة السلطة ولم يجد هؤلاء أمامهم إلا الإعلام ينفّسون فيه عن كل ما بداخلهم من إحباط وغضب، وسادت حالة من المكايدة السياسية بهدف إسقاط حكم الإخوان، واتفق الفرقاء جميعاً من الأحزاب المدنية (كما لم يتفقوا من قبلُ فى تاريخهم) على إسقاط الإخوان، وفعلاً حدث هذا ابتداءً من 30 يونيو 2013 واكتمل فى 4 يوليو بخارطة المستقبل، وتم احتجاز الدكتور مرسى والقبض على قيادات الإخوان المسلمين والتيار الإسلامى عموماً وإغلاق قنواته الدينية، ثم تلا ذلك فض اعتصامى «رابعة» و«النهضة» وما صاحب ذلك من أعمال عنف مفرطة (كان يمكن تفاديها) راح ضحيتها المئات من المنتسبين لتيار الإسلام السياسى والمتعاطفين معهم.
من هنا، وُضعت بذرة الفتنة والكراهية والرغبة فى الثأر والانتقام، وقد كان تيار الإسلام السياسى يتوقع من المصريين مساندته ضد ما يعتبره انقضاضاً على شرعيته التى اكتسبها عبر صناديق الانتخابات فى مجلس الشعب ورئاسة الجمهورية، ولكن الناس كان لهم رأى آخر؛ إذ اعتبروا أن تجربة الإخوان فى الحكم لم تحقق نجاحاً، بل كانت تحمل الكثير من الأخطاء والمخاطر للجميع وأن الدكتور مرسى لم تكن لديه مهارات وقدرات القيادة كرئيس للجمهورية وأنه لم يكن حراً مستقلاً فى إدارته للبلاد وأنه كان يتحرك وفق أجندة ومصالح جماعة الإخوان.
وزادت حدة الإجراءات الأمنية ضد كل من ينتمى أو يتعاطف مع الإخوان المسلمين ولم تعطِ لهم فرصة للدفاع عن أنفسهم، بل اعتبروا إرهابيين على إطلاقهم، وكانت هناك انتهاكات لحقوق الإنسان رصدتها جمعيات حقوق الإنسان المحلية والدولية، لكن الشحن الإعلامى المتحيز ضد تيار الإسلام السياسى جعل الناس لا يستنكرون تلك الانتهاكات بل كان كثير منهم يباركها ويطلب المزيد، بل كانوا يطالبون بإعدام الإخوان، ويتهمونهم بأنهم غير منتمين لهذا الوطن وأنهم يتآمرون ضده، وكان هذا يتم بشكل عنصرى يرسّخ للكراهية والإقصاء، ومن هنا بدأت تتشكل مشاعر سلبية مضادة لدى أنصار تيار الإخوان والإسلام السياسى عموماً، خاصة مع تزايد أعداد المعتقلين والمحبوسين والمحكوم عليهم بأحكام قاسية وصل كثير منها إلى الإعدام بحيث تحقق رقم قياسى لأحكام الإعدام.
من هنا، بدأت حالة الكراهية المضادة للنظام وللدولة وللناس؛ حيث يرى الإسلاميون أنهم ظُلموا وقهروا وما يزالون، بينما الناس يتفرجون ويفرحون فيهم ويطالبون السلطة بمزيد من التنكيل بهم، وأن الإعلام يشوه صورتهم ليل نهار وينسب لهم كل الجرائم والمصائب قبل أن يتأكد ذلك قانونياً، ولا تعطى لهم فرصة للرد أو التعبير عن رأيهم. وقد أدت هذه الظروف إلى خروج أعداد كبيرة منهم إلى دول أخرى يحتمون بها من الملاحقات الأمنية والأحكام الشديدة والرفض الشعبى من التيارات المؤيدة للسلطة أو المتأثرة بالإعلام أو الغاضبة من سلوك وأداء الإخوان حين كانوا فى السلطة.
إذن فالأمر أصبح شديد التعقيد وصار هناك ثأر ودم وعنصرية وكراهية متبادلة قد تحتاج لسنوات حتى تهدأ (هذا إن هدأت)، ولكن ما العمل فى ذلك؟
أمامنا نموذجان قريبان، أحدهما النموذج الجزائرى، وثانيهما النموذج التركى؛ ففى الأول اتخذ الإسلاميون الذين أزيحوا عن السلطة طريق العنف والإرهاب وظلوا لسنوات فى صراع دموى مع السلطة العسكرية التى أزاحتهم عن حكم وصلوا إليه عبر صناديق الانتخابات، وزادت حدة الكراهية والبغض وانتهكت الأعراض والحرمات والدماء من كل جانب، ولم يحقق الإسلاميون أى نتيجة إيجابية، بل سهلوا استتباب السلطة لمناوئيهم وأتاحوا الفرصة لـ«بوتفليقة» أن ينجح فى الانتخابات الأخيرة رغم إصابته بجلطات فى المخ تؤثر فى إدراكه وقدرته على التفكير والكلام. أما النموذج التركى فقد تقبل الإزاحة من الحكم أكثر من مرة وتقبل حل أحزابه التى كانت تتبنى مواقف عقائدية أو أيديولوجية تنافى المبادئ العلمانية التى يحرسها الجيش، وكانت آخر مواجهة هى حل حزب «الرفاه» وحبس زعيمه الكبير «أربكان»، وهنا لم يتجه الإسلاميون للعنف ولكنهم وعوا الدرس وأعادوا تكوين حزب سياسى يتوجه نحو التنمية الحقيقية وخدمة الناس وانخرطوا فى العملية السياسية بناءً على قواعد الديمقراطية ووثق فيهم الناس وما زالوا ينتخبونهم حتى الآن.