الخيط الرفيع بين الإنجاز وتصفية الحسابات
كرر السادات خلال أول خطاب له بعد توليه منصب الرئاسة عام 1970 داخل مجلس الأمة تعهده بالسير على خط الرئيس عبدالناصر.. لكن عبقرية الحس المصرى اللاذع لخصت ما حدث بعد ذلك ساخراً من التعبير أن السادات سار فعلاً على خط عبدالناصر لكن «بأستيكة»! قد تكون دوافع اختيارات السادات قائمة على سياسة مغايرة، أو قراءة مختلفة لتطورات أحداث المنطقة.. إلا أنها لم تكن بالتأكيد تحمل آنذاك أى نوازع شخصية. بعد نحو خمسة عقود استهلت إدارة الرئيس الأمريكى جو بايدن مهامها بعاصفة إلغاءات شاملة لكل قرارات سلفه، حتى بدا مجىء الإدارة الديمقراطية لا لتعديل بعض قرارات سياسات ترامب، بل لتقتلع الأخضر واليابس من فترة حكم الرئيس الجمهورى. ليس غريباً أن كتلة الغرب، الممثلة فى الاتحاد الأوروبى، والتى يؤكد «بايدن» عزمه إعادة ترسيخ التعاون معها، بدأت مراجعة ثقتها حول وجود إجماع فى واشنطن على أولويات السياسة الخارجية فى ظل الاختلاف العميق والتناحر بين الحزبين الديمقراطى والجمهورى.. انفجرت ألغام الانقسام متجاوزة الصعيد الشعبى إلى أهم صُناع القرار ليرتفع شعار «الانتقام أولاً» بدلاً من «أمريكا أولاً». هذا الاستهلال الانتقامى دفع فريق السياسة الخارجية للإعلان عن حاجة رئيسه «بايدن» إلى قصة نجاح ظاهر. لهفة إدارة الرئيس إلى تحقيق إنجاز ملموس فى السياسة الخارجية تطبع عليه بصماتها المميزة اصطدمت بالعجز عن إنجاز نقلة نوعية تحدد مساراتها المختلفة، خصوصاً أن فكر التغيير لا يولد من رحم دوافع كلاسيكية الانتقام أو تصفية الحسابات.
إدارة «بايدن» تسير على حبل مشدود فى صراع اختبار القوى مع إيران التى ما زالت تمارس مراوغة اللعب على أوراق قلق المجتمع الدولى وأمريكا من تفجير صراع عسكرى شامل فى منطقة الخليج، وكل النتائج الوخيمة التى ستجتاح كل الأطراف، حيث ستخرج تداعيات هذه الخطوة عن سيطرة الجميع دون استثناء.. الهاجس الذى يُشكل ذخيرة أساسية فى مسار المراوغة والمقايضة التى تعتمدها إيران. واشنطن بادرت باتخاذ خطوات تجاه إيران عبر رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن ألغت بموجبها إعلاناً أحادياً أصدره دونالد ترامب حول إعادة فرض عقوبات دولية على إيران، كما أعلنت وزارة الخارجية تخفيف القيود المفروضة على تنقلات دبلوماسيى إيران لدى الأمم المتحدة، أملاً فى إيقاف «دبلوماسية الصواريخ» التى تعتمدها إيران ضد المواقع الدبلوماسية والأمنية الأمريكية فى العراق، دون أن تأتى هذه الخطوات بثمارها المتوقعة. حسابات «بايدن» أخطأت تقييم الخيارات الصعبة حول كيفية دفع إيران إلى التراجع مقابل هذه الخطوات التى اعتبرتها بسيطة.. بينما الطرف الثانى يملك تقديراً محسوباً للخطر الرئيسى الذى يتحكم فى خيوطه عبر الضغط بالهجمات على مصالح أمريكا عبر وكلائه وميليشياته، وبالتالى فإن تصاعد الضغوط الداخلية من الجمهوريين وكتلة من الديمقراطيين على «بايدن» سيواكب الازدياد الملحوظ فى عدد الهجمات.. بل وقوع مصابين وضحايا من مواطنيها، ما يمثل أحد الخطوط الحمراء شعبياً وسياسياً فى أمريكا.
القيادات المتشددة فى إيران لم تخف رغبتها فى امتلاك «اليد الحرة» فى منطقة الشرق الأوسط، ما يضع إدارة «بايدن» فى منطقة سياسة التجاذبات مع الحليف الاستراتيجى «إسرائيل»، التى ستمارس بدورها الضغط المطلوب عبر مراكز صنع القرار الأمريكى واللوبى اليهودى -والعديد منهم يضم ديمقراطيين يتبنون انحيازاً مطلقاً لإسرائيل- من أجل عدم تقديم هدايا دون مقابل والتريث قبل رفع العقوبات عن إيران أو العودة إلى الاتفاق النووى انتظاراً لنتائج الانتخابات المقبلة والمتوقع أن تُسفِر عن فوز التيار المتشدد والحرس الثورى الذى يصنع السياسة الخارجية الإيرانية.
قرار إدراج اليمن على جدول أولويات الخارجية الأمريكية لارتباطه بأسباب إنسانية قوبل بتصعيد من ميليشيا الحوثى ضد السعودية، تزامناً مع أحد قرارات تصفية الحسابات بإعلان رفع اسم حركة أنصار الله -الحوثيين- من قائمة التنظيمات الإرهابية وإلغاء إدراجها فى قوائم العقوبات، ما سيفاقم من تعقيد الأزمة اليمنية ويضع إدارة «بايدن» فى منطقة التخبط أمام موقفين متضاربين.. مواجهة أمريكا لحل عسكرى إذا فشلت كلياً محاولات لجم هجمات الحوثيين ضد السعودية وأغلقت الأبواب أمام مساعى الحلول السياسية.. خصوصاً فى إطار تصريحات «بايدن» ووزير خارجيته «بلينكن» عن أهمية الشراكة الأمنية بين أمريكا والسعودية، والتزام الأولى بدعم الدفاعات السعودية عن أراضيها.
أخيراً.. الترقب الدولى ما زال ينتظر الجديد فى ملامح سياسات خارجية تمنح أمريكا نجاحات حقيقية بعد ظهور بوادر فشل الرهان على ورقة مراجعة غير انتقائية لكل قرارات «ترامب».