أحب البحر لكن ....
وكالعادة ترددت في أذني أنشودة الخلود كلما وطأت قدماي شواطئ الإسكندرية أو الساحل الشمالي "أحب البحر لكن.. مانزلش البحر أعوم" وهي أنشودة معبرة عن واقعي المرير، وإن كانت المطربة "مبتنزلش البحر بمزاجها" فأنا لا أطأ البحر رغم أنفي، وكيف سيتسنى لي النزول وأنا مُحاطة بهذا الجمع الغفير وفي رقبتي عدد لا بأس به من البشر.. نعم.. كان نزول البحر في حالتي أنا تحديدًا من سابع المستحيلات.. خاصة وأنا أنزل من السيارة ومعي أغراض كثيرة ومثقلة بأحمال لفتت نظر كل من يرتادون الشاطئ.. وصوت زوجي وحماي وحماتي لا يغادر طبلة أذني وهم يهتفون جميعًا وبإلحاح: "متنسيش العوامات، الكورة والجردل والجاروف مهمين جدًا، كرواسون وبسكوتات إيه يا بنتي، الحاجات دي متشبعش، اعمليلهم ساندويتشات، لقيتي الآيس بوكس، طبعًا هناخد العصاير والمشروبات والمية، لازم تكون ساقعة، جبتي البرانيط والكابات، كريم الشمس وحياتك، اللب والسوداني اللي أنا جايبهم فين دا وقتهم بجد، أوعي تنسي تُرمُس الشاي، أمال هنعدل دماغنا إزاي، أنا سكري زيادة ومتنسيش المعلقة، وبالمرة هاتي البسكوتات، برضه مش هتخسّر"، وظلّ شريط الذكريات يمرّ في ذهني كالقطار وأنا أحمل كل ما أستطيع حمله وزوجي يساعدني مضطرًا، والأولاد الصغار يعدون بفرحة نحو البحر، أما حماتي وحماي فيتعكّزّ أحدهما على الآخر بفخر، وهما يرويان ذكريات الشباب والطفولة، ويتجاذبان أطراف الحديث، أما أنا فأجذب كل ما يسقط مني والتقطه بإصرار وأنا أتخيل الكارثة لو ضاع شيئًا، أو سقط فابتلعته الرمال، ولأن المشي فوق الرمال "يهد جبال"، وخاصة وأنا محمّلة بالأحمال فغالبًا ما أصل للشاطئ بعد معارك دامية، لأجد حماي يوصي بدق الشماسي، وحماتي تستريح على أحد الكراسي، وهي ترمقني بنظرة استهجان لا أفهم لها معنى، وبعدها أجدني في حالة هلع وأنا أعدو خلف الصغار، وحلّق حوش" وأنا أسمع من خلفي سيمفونية، متكررة العزف والنغمات، يا بنتي هاتي شباشب الولاد هنا، الحقي هيغرقوا في المية، "الشباشب طبعا "، أكليهم الساندويتشات الأول، انفخي العوامات أنا خايفة عليهم قوي، خليه يبلّع بالعصير، الحقي جري وملبسش العوامة، إديني كباية الشاي، باموت في شاي البحر، يللا يا حسين نقعد قدام البحر ونتمتّع بجماله، عينك ع الولاد يا آمال متسهيش عنهم، يللا يا محمود، ساعدني أنا وأبوك، وأمام هذه السلسلة من الطلبات أظل طوال الوقت على الشاطئ تمامًا كصبي، "القهوجي"، "أيوه جاي، عينيه حاضر، حمامه يا أسطى، ثانية واحدة وكله يبقى تمام، وفي النهاية انظر للشاطئ من بعيد وقد جلس حماي وحماتي أمامه على كراسي العرش كملوك متوجين وزوجي مع طفليه يلعب، ويغطس ويطفو ويداعب كورود في البساتين، وأنا وحدي على الشاطئ لأحارب الطواحيين، ومهمتي تقتصر على "ناوليني الفوطة بسرعة، صورينا اللقطة دي حلوة جدًا، خدي حمادة حطيه تحت الدٌش، هاتيلي حاجة مسكّرة يا بنتي، الكرة طارت بعيد هاتيها، ونظرت حولي فوجدتني الوحيدة التي خرجت للشاطئ مرغمة، والفريدة من نوعها، في خدمة شركاء متشاكسون، والوحيدة التي تحب البحر بجنون ولكنها لا تستطيع أن تعوم وفي لحظة تمرّد وتجرّد مع النفس وتفرّد قررت أن أتخطى كل الحدود، وأفعل ما لم تخطط له هذه المجموعة وأشبّ عن الطوق، وأسرعت أتقدّم بفرحة طفولية إلى البحر، وأنا أتلقى صفعات الأمواج بكل حماسة وقد أخذتني نشوة عجيبة، فضحكت وضربت المياه، فلطمتني وشعرت وأنا أدخل واتوغل بصفاء نفسي، غير عادي ولم أفق من فرحتي، واندماجي، إلا على صوت أيقظني ونظرات غاضبة أدهشتني، وولداي يشيران إليٌ ويصيحان تمامًا وكأنني لن أعود من جديد، "يا بنتي متتهوريش، ماما ماما، تعالي يا ماما، إيه اللي انتي عملتيه في نفسك دا، ارجعي يا آمال عشان العيال، دا منظر دا، نازله بهدومك، انت عايزة تفضحينا، ما تشوف مراتك يا محمود، ليه بس كدا يا بنتي" وشعرت بأنني مجرمة أو متهمة بجرائم عدة لم ارتكبها فخرجت وملابسي تقطر بالمياه، والعيون، كلها ترمقني بغضب مكتوم والأولاد يتعلّقون في رقبتي بجنون والأنشودة ترنّ في أذني بصوت حنون "، بحب البحر لكن.. منزلش البحر أعوم.. منزلش بأمر من العائلة المصون ولو نزلت مين هيقعد ي الخدمة ويلمّ الهدوم، ويا صابحة هاتي الصينية، صبي الشاي ليكي وليه ويا ريت لو صبتيه من بعدها للصحبة ديه".