عن بيان حقوق الإنسان.. حينما تغيب الحقيقة خلف المصلحة والنوايا الخبيثة
تابعت باندهاش واستهجان كبيرين ذلك البيان الذى صدر عن عدد من الدول الأوروبية، بلغت ٣١ دولة، أعربت فيه عن قلقها من انتهاك الحريات فى مصر، وطالبت هذه الدول مصر بالتوقف عن اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب لتكميم أفواه المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين وإبقاء المنتقدين فى الحبس الاحتياطى إلى أجل غير مسمى. وأبرز الدول الموقعة على هذا البيان هى دول أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
كما استوقفتنى كلمات كريستى كوبى، سفيرة فنلندا لدى الأمم المتحدة فى جنيف: «إننا نشعر بقلق بالغ إزاء تطبيق قانون الإرهاب ضد نشطاء حقوق الإنسان والمثليين والصحفيين والسياسيين والمحامين».
والتى تابعت فى البيان المشترك: «نحث مصر على إنهاء استخدام تهم الإرهاب لإبقاء المدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء المجتمع المدنى فى الحبس الاحتياطى المطول»!!!!!!!
هذا هو مختصر البيان، وبهدوء دعونا نفنده ونرد عليه بشكل عاقل، وسيكون ردنا على هذا البيان موثقاً ومحدداً وقاطع الدلالة بلغة القانونيين وليس مطاطاً وسائلاً وموجهاً كما جاء البيان نفسه، لأننا نتحدث بعين الحقيقة وليس بعين المصلحة أو ما يسمى اصطلاحياً بالابتزاز السياسى الذى لم ولن تخضع له مصر..
أولاً: سوف نتحدث عن حالة حقوق الإنسان فى بعض الدول التى وقعت على البيان ناصحة ومرشدة لمصر، ولنبدأ بالولايات المتحدة الأمريكية التى تتباهى بأنها «أرض الحرية» و«منارة الديمقراطية»، إلا أن هذا ليس سوى شىء وهمى لخداع الناس والعالم، فلا يخفى على أحد استمرار تفاقم التعصب الدينى والعرقى بأمريكا، حيث أظهرت استطلاعات مركز بيو للبحوث أن نحو ٨٢٪ ممن شاركوا بالرأى قالوا إن المسلمين يتعرضون للتمييز فى الولايات المتحدة. وذكر نحو ٦٤٪ أن اليهود يواجهون على الأقل بعض التمييز فى الولايات المتحدة. وكان المتطرفون ذوو الأيديولوجيات المتطرفة مسئولين عن 249 حادثاً معادياً للسامية خلال عام 2018. وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى حوادث العنف الاستثنائية المعادية للسامية فى الولايات المتحدة، كما أن الولايات المتحدة بلد له أسوأ سجل فى عنف الأسلحة فى العالم، حيث وصل عدد عمليات القتل الجماعى فى الولايات المتحدة إلى رقم قياسى بلغ ٤١٥ عملية خلال عام ٢٠١٩، مع وقوع أكثر من عملية قتل جماعى فى كل يوم من ذلك العام. وفى المجمل، قُتل ٣٩٠٥٢ شخصاً جرَّاء العنف المتعلق بالأسلحة فى الولايات المتحدة عام ٢٠١٩. فهناك شخص يُقتل بالسلاح فى الولايات المتحدة كل ١٥ دقيقة. وقد علّقت صحيفة (يو. إس. إيه توداى) قائلة: «يبدو أن هذا هو عصر عمليات الإطلاق العشوائى للرصاص»، كما أن الافتقار إلى الضوابط بشأن حق حيازة السلاح أدى إلى تفشى عنف السلاح، ما شكل تهديداً خطيراً لحياة المواطنين وسلامة ممتلكاتهم، كما أن سياسة المال المتفاقمة تشوه وتزيف الرأى العام وتجعل ما يسمى بالانتخابات الديمقراطية لعبة للأثرياء لدرجة أن الإنفاق على انتخابات الكونجرس خلال عام 2018 تخطى ما قيمته ٥.٧ مليار دولار أمريكى، ما جعل المعركة الانتخابية للسيطرة على مجلسى النواب والشيوخ هى أغلى انتخابات تجديد نصفى على الإطلاق، وهنا لا تحدثونا عن انتخابات نزيهة لأن هذا هو النموذج الأكثر فجاجة لاستخدام المال السياسى للتأثير على إرادة الناخبين، وهو ما تكرر فى انتخابات الرئاسة الأخيرة..
دولة أخرى من الدول الموقعة على البيان وهى أستراليا التى شهدت مؤخراً جدلاً كبيراً بشأن قوانين التعامل مع اللاجئين بعد قضية ترحيل اللاجئة الرضيعة «عائشة» إلى مركز اعتقال خارجى، رغم حالتها الصحية الحرجة، لدرجة أن مئات الأستراليين حاصروا مبنى مستشفى «ليدى سيلينتو» للأطفال؛ احتجاجاً على أنباء استعداد الحكومة لترحيل الرضيعة «عائشة»، ذات العام الواحد، والتى تعالج من الإصابة بحروق متعددة، إلى مخيم فى جزيرة ناورو الصغيرة فى المحيط الهادى.
وأطلق النشطاء فى قضية «عائشة» حملة لمحاصرة المستشفى ورفض خروج الطفلة، خاصة مع تواصل الانتقادات لظروف احتجاز اللاجئين فى مراكز الإيواء الأسترالية، خاصة فيما يتعلق بأوضاع الأطفال هناك، فهل هناك أبشع من ذلك للتعبير عن انتهاك حقوق الإنسان؟؟!!!!!
وأعد السادة القراء فى الداخل والخارج بتناول حالة حقوق الإنسان وما تشهده كل دولة من الـ٣١ دولة الموقعة على البيان أملاً أن ينفقوا وقتهم فى إصلاحها بدلاً من توجيه نصائحهم ورسائلهم المسيسة لمصر..
ثانياً: صُدمت كثيراً من كلمات السيدة كريستى كوبى، سفيرة فنلندا لدى الأمم المتحدة، وهى تتلو البيان، من أن هناك مصادرة لحقوق المثليين، يعنى الهانم شايفة إن مصر المسلمة (محبكاها) شويتين، إيه يعنى لما نسمح بزواج المثليين، وهذا يدل تماماً على أن السادة الأفاضل لا يعرفون شيئاً عن مصر وأهلها وأن كلامهم مجرد (شوية كلام ملفوف فى ورق)، يا سادة، مصر بلد الأزهر والكنيسة، ترفض وتنبذ تماماً مجرد الحديث فى هذا الأمر المقزز، إلا طبعاً بعض الهيبز أصحاب السبوبة بدكاكين حقوق الإنسان الذين سارعوا بالترحيب بهذا البيان المسموم..
ثالثاً: الحديث عن استخدام قانون مكافحة الإرهاب لتقييد الحريات وحبس النشطاء والصحفيين والمحامين والسياسيين، نكون شاكرين ذكر خمسة أسماء فقط منهم، لأن هذا كلام مرسل وحديث باطل ليس له ثمة علاقة بحقيقة ما يحدث، ولتتذكروا أن مصر تحارب الإرهاب بالوكالة عن العالم وتدفع الثمن من دماء أبنائها من جيش وشرطة ومدنيين دفاعاً عن مقدرات البشر جميعاً (اللى انتم منهم) وقد ذقتم مرارة الإرهاب فى حوادث وتفجيرات جرت فى عواصمكم لدرجة أنكم من صدّرتم فكرة أنه لا مجال للحديث عن حقوق الإنسان حينما يُمس الأمن القومى..
يا حضرات الموقعين على هذا البيان، ليس لدينا ما نخفيه أو نخاف منه، نحن دولة تحدّث رئيسها وشعبها بأننا نبنى دولة ديمقراطية حديثة، نسير على الطريق الصحيح لاستكمال هذا البنيان، لا ندّعى الكمال، لدينا أخطاء، ولكن أيضاً لدينا إرادة سياسية لتصحيح هذه الأخطاء، ولن نرضى عن ذلك بديلاً بأن تصدّروا لنا ديمقراطيتكم، لأن الأصل فى النظم السياسية أن الديمقراطية الحقيقية والصحيحة (صناعة محلية).
وللحديث بقية...