قديستي..إليكِ أكتب

هيثم هـلال

هيثم هـلال

كاتب صحفي

نعم أمتهن الرسم بالكلمات، وأدّعى احتراف التعبير عنى وعن الآخرين، وأملك فى قاموسى من الألفاظ والصياغات ما يكفى ويفيض، لكن حين أُفكر فى كل مرة أن أكتب عن قديستى، تتوقف محاولاتى عند التفكير، التفكير وفقط، دون أن أستطيع تدوين كلمة واحدة، أو أن أكتب ما فى جُعبتى من كلمات وأحلام ومشاعر. ففى كل محاولاتى المتكررة، أصِلُ إلى النتيجة ذاتها، وأشعر بالعجز والصمت.

الدمعة تلمع فى عيونى كل مرة حاولت فيها كتابة حرف واحد، فقط أسرح فى جمال قلبها الذى يسع الأرض وما عليها، وعظمة تضحياتها التى انتشلتنا من هُوّة الضياع، وروعة أملها الذى لا يكف عن العطاء، وشمس ضحكتها التى تمنحنا الأمان والسلام، وشموع يديها التى كانت تضىء لنا ظلمات الحياة، ليس فى الدنيا وما عليها ما يُعادل حبها الذى يغْزُر قلوبنا حباً وعشقاً.

أعلم أننى للمرة الأولى أقول أمام الجميع أشياءً حميمية تخصّنا وحدنا، لكننى أريد البوح بحبها الذى يمنحنى القوة من بعد ضعف، ويُشبعنى بالأمان من بعد خوف، ويُطمئننى بالونس من بعد غُربة.. ويطهّرنى بالنقاء من بعد دنس.. ويستعيد توازنى من بعد خلل.. ويعيد نبضات قلبى إلى طبيعتها.

منها تشرّبت معنى الحياة، والحياة عندها: «رائعة ما دمت أراها هكذا.. والناس أيضاً طيبون طالما أحسنت النيّة والتعامل»، منها اتكأت عليها لأتجاوز المتاهات والمصاعب والحماقات، منها ارتويت ولم أستكفِ من نبع حنانها، منها تعلمت قدر المرأة وعظمة دورها، ولولاها لما كنت، ولما كانت الحياة حياة.

تحية لكل امرأة فقط لأنها من جنس أمى.. أمى التى أعشقها وأهيم على وجهى من فرط حبى لها.. نبض قلبى الذى لم أستطع العيش من دونه.. ونور عينى وضميرى الذى يوقظنى فى كل غفلة.. قُبلة سماء على جبين الأرض.. مُهجتى فى فرحى وصُحبتى الطيبة فى هذه الدنيا.

تتذكرين يا أمى حين كانت تشتد بى الأيام ولم أجد ملجأً سوى صدرك؟ كم مرة أزاحت عنى همّاً.. تتذكرين؟

أتذكر أنا حين كنت فى ضعفى وأئن من شدة الألم، لم يُطيّب جرحى سوى حنانك اللامتناهى وروحك النقية.. أتذكر وجع السنين وآلام الأيام التى تحمّلتها لأجلى ولأجل إخوتى، فزهدتِ الدنيا وتفرغت لنا.. وكنتِ الأم والأب والسند فى أهم فترات حياتنا.

أتذكر حين كنتِ تقاومين الأحزان والمشقة لأجل أن ترسمى ابتسامة أمل على وجهك الجميل لتخططى لنا مستقبلنا الغائم.. فتحملتِ مسئولياتنا التربوية والمادية بلا كلل أو ضجر.

أتذكر جلساتى فى حضنك طفلاً لا يكبر وحديثك عن الوطن والأمان والأحلام.. أتذكر حين لم يؤمن بى غيرك فكنت بريقى ومفتاح بقائى.

لم أجد كلمات من النثر والشعر تجسد عطاءك وحنانك وملحمتك.. لأنكِ أكبر من كل الكلمات.. فسامحينى على الوصف الناقص العاجز أشد العجز.

أمى الحبيبة اسمحى لى أن أُقبِّل رأسك الجليل مليون ومليون مرة.. وأستجدى رضاك.. وأنحنى لكِ عرفاناً منى بكل ما قدمتِه لى ولإخوتى.. اسمحى لى أن أنظر إلى عينيك لأتعلم العظمة والقوة والصبر والحب والصدق.. وأن أفر إلى حضنك وأستزيد على راحتيك بتعبّدى وصلواتى إليك.

أمى الحبيبة مهما قُلت فلا يمكننى أن أقول خيراً مما ذكره شاعرى المُفضّل نزار قبانى: لأن حبى لك فوق مستوى الكلام قررت أن أسكت.. والسلام.

تحية وألف مليون تحية لكل أم.. ربّت وكبّرت وعلّمت وشقيت من أجل أبنائها.. كل عام وأنتِ ست الكل.