قلب عمو محب الذي فارقنا

سلوى الزغبى

سلوى الزغبى

كاتب صحفي

«ده أنتى مابكتيش كده على اللى من دمك!»، جملة استنكارية قيلت لى للتخفيف من آلامى ودموعى، زادت من شهقاتى ووجع قلبى على رجل لم تجمعنى به أواصر الدم، لكنى خرجت إلى الحياة وجدته يساند أبى ومخزن أسراره ومهوّن همومه والمُفكر المشارك لكل تفاصيل أسرتنا الصغيرة، يقف كتفاً بكتف عند تحضير جهاز عُرسى وأختى، تجتمع الأسرة على اختياره شاهداً على عقد قران بناتها، يميل بى فى فرحى كأبى ويرقص لنصف ساعة متواصلة دون توقف من فرحته، فأى دم تتحدثون عنه لم يصلنى منه وِد يوماً، فكان عوض الله الكريم بـ«عم» حقيقى، زرع فى قلوب أسرتنا حبه ومودته ومؤازرته.

«عمو محب» كان القريب دون إجبار من القدر، لم يجمعه بأبى صلب أو بطن، اختار موضعه فى قلوبنا وإلى جوارنا فى خطواتنا، لم يجد أبى من دمه دعماً، فجذبته أذرع «محب» تحتضنه وتربت على كتفه وتحب أبناءه، الذين كانوا يتسابقون للذهاب لمقر عمل أبيهم ليس فقط لمجالسته إنما لرؤية «عمو محب» ونسيان الهموم بالضحك والمشاكسة «وكوباية شاى» مصنوعة بحبه لأطفال كبروا ينادونه من تلقاء أنفسهم «عمى»، وتيقن معناها فى قلوبهم بسببه وحده، وله الفضل فى ألّا يحرمهم القدر من هذا الشعور بالكلمة.

بكى «عمو محب» فى مرضى، وتواصل مع كل معارفه لإحضار زيت زيتون بكفاءة معينة ليناسب خطة علاجى، وهاتفنى موبخاً رقدتى، وشاكسنى ليسمع ردودى المرحة وضحكتى التى يحبها، يلاحقنى بالدعوات لى وإخوتى وأبنائنا، تابع مراحل نمو ابنى مطلقاً عليه «نايتى»، وأخبره ضاحكة أنه أبعد ما يكون عن ذلك الوصف «وميغركش الشكل»، لكنه لم يغره يوماً المظهر، كان يخترق جوهرك دون أن تشعر، يصل لثنايا روحك بسلاسة.

أجالسه فى مكتبه قبل أن أمر على مكتب أبى، منذ شهور قليلة كان آخر لقاء لى به عاتبته على عدم حضور خطوبة أخى، التى لم نخبر بها سواه، ترغرغت الدموع فى عينيه وشكا قلبه الذى لم يسعفه أن يتحرك وظل يتابعنا بالهاتف طوال اليوم، فهو أوصل البنتين مع أبى إلى زوجيهما وتمنى أن يكون بجوار آخر عنقود أسرتنا وهو يخطو لحياة جديدة، وكأنك أبيت أن تجاورنا بقلبٍ منهك، أشكو قلبك للقدر لمَ توقف فى الجراحة الثانية، لمَ انحنى ظهر أبى لثانى مرة بعد موت جدى، لمَ تركت أسرتنا فى محنة كورونا التى أصابتنا جميعاً، ولمَ لم نكن جوارك نستجدى قلبك أن يقاوم لأجل بيت كنت أنت له «العم»؟ رحمة الله عليك يا حبيبى وحبيب أبويا.