ناصريون وإخوان

وائل لطفى

وائل لطفى

كاتب صحفي

من القضايا التى شغلتنى دائماً قضية العلاقة بين الناصريين (من يؤمنون بأفكار الرئيس عبدالناصر ويعتبرونها تياراً مستقلاً)، وبين جماعة الإخوان المسلمين.. من وجهة نظرى فإن أحد أسباب قيام ثورة يوليو هو إنقاذ مصر من السقوط فى يد جماعة الإخوان المسلمين.. لذلك كان الصدام حتمياً.. كان تنظيم الضباط «أقرب» فى تكوينه إلى انشقاق فكرى وتنظيمى عن الجماعة.. مر معظم أعضائه عليها وتجاوزوها فكرياً وساروا فى مسارات فكرية أخرى.. والأهم أنهم أدركوا أن فى يدهم من وسائل القوة ما يغنيهم عن الاعتماد على الجماعة، وأنهم يستطيعون إنجاز التغيير دون الحاجة لا إلى مساعدة الجماعة ولا إلى وصايتها.

حدث الصدام المعروف جرَّاء أزمة مارس ثم حادث المنشية وعمّق ناصر من الخلاف الموجود بين جناحى الجماعة واستوعب جناح المعارضين «الهضيبى» فى مؤسسات الدولة المصرية.. مات عبدالناصر.. وعقد الرئيس السادات صفقته مع الجماعة وكان واضحاً أن من أهم بنودها السماح للجماعة برواية أخرى لصراعها مع ثورة يوليو.. وتشويه جمال عبدالناصر.. وإظهاره كسفاح دموى.. واللعب على الجانب العاطفى لإظهار أعضاء الجماعة وكأنهم من أبناء عصر الشهداء الذين تحملوا العذاب من أجل أفكارهم.. تم طباعة مئات الآلاف من الكتب وصيغت الأكاذيب عن تعذيب الإخوان (راجع شهادة أبوالعلا ماضى عن اعتراف يوسف ندا له بفبركة كتاب أيام من حياتى لزينب الغزالى مبرراً ذلك بأنه «اللى تكسب به العب به»).

كان الشبان الناصريون الذين تربوا فى منظمة الشباب وزملاؤهم اليساريون هم قوام معارضة الرئيس السادات فى الجامعات، وكانت الجماعات الدينية بفرعيها (الموالى للإخوان والموالى لمحمد عثمان إسماعيل) تذيقهم سوء العذاب.. تعتدى عليهم بدنياً وتحرم أنشطتهم وتسحب من وجودهم.. لم تكن هناك (أيديولوجية) معروفة لدولة السادات بعد، ومن ثم فإن كل تمدد للإخوان كان سحباً من رصيد التيار الناصرى الذى هو «أقرب» للتيار العام فى الشارع المصرى (مواطنون يحبون عبدالناصر ويدينون للدولة فى عهده بالمسكن وفرصة التعليم والتوظيف).

لسبب ما تجاهل من يحسبون أنفسهم على الرئيس عبدالناصر ذلك التحالف الواضح لكل ذى عقل بين الإخوان والسادات وأهم بنوده تشويه ثورة يوليو، وجمال عبدالناصر، وإنجازاتها، وإظهار كل ما جرى فى الستينات وكأنه جريمة بجب الاعتذار عنها..

باستثناء الكاتب المعروف عبدالله إمام (وهو كان أقرب لمؤسسات الدولة المصرية) لم يكن ثمة جهد ممن يحسبون أنفسهم على ناصر للرد على الإخوان المسلمين أو الوعى بأن تمدد الجماعة الأسطورى فى الشارع يخصم من رصيدهم وشرعيتهم ومبرر وجودهم نفسه.. مع الوقت اتخذ بعض المحسوبين على الناصرية خطوات أكثر براجماتية وسعياً للتمسح فى الإخوان وركوب المسلمين.. وركوب موجة الأسلمة التى سادت الشارع المصرى.. بدأت المسألة بصمت تام عن نقد الجماعة أو الرد على هجومها.. ثم تم اتخاذ خطوات أكبر مثل الحديث عن (الناصرية والإسلام) وأنه لا تناقض بينهما، وبالطبع لم يكن ثمة تناقض بين الناصرية والإسلام، لكن هناك تناقضاً أكيداً بين الناصرية ومن يتاجرون بالإسلام، وهذا ما لم يوضحه صاحب الاجتهاد فى وقته (١٩٩٣) على ما أظن.. ثم اتخذ الأمر طابعاً أكثر براجماتية حين أقدم الصحفى الناصرى الأستاذ حمدين صباحى على الاعتذار للإخوان المسلمين عن التعذيب فى سجون ثورة يوليو.. وقد بدا الأمر كوميدياً بعض الشىء.. فالرجل لم يكن من المسئولين فى ذلك الوقت، ولا هو مفوض للحديث باسم جمال عبدالناصر ولا باسم ثورة يوليو..

كان ذلك الاعتذار تعبيراً عن تصور يقول إنه كان يمكن التحالف مع جماعة الإخوان ضد الرئيس مبارك ونظامه (الذى كان تعبيراً عن اضمحلال دولة يوليو).. كان الحل من وجهة نظرى هو المطالبة بإصلاح نظام دولة يوليو وتجديده وليس التحالف مع من يرى يوليو مؤامرة أمريكية ويريد هدم نظامها من الجذور.

(يتبع)