الحاجة لنظام وقانون عصري للتعليم العالي

صدر قانون تنظيم الجامعات المصرية فى 1972، أى منذ خمسة عقود، تغيرت خلالها نظم وسياسات وممارسات التعليم العالى فى العالم تغيراً جوهرياً. وفى مصر توسع قطاع التعليم العالى توسعاً كبيراً، وتنوعت مؤسساته وبرامجه. لكن هذا التوسع والتنوع لم يقترنا بتحسن الجودة والإسهام التنموى، لأن القانون الحاكم لهذه المؤسسات كان خالياً من التوجه الاستراتيجى وعوامل الحوكمة الرشيدة ومعيقاً للتكيف والتطور والتوافق مع الموجهات التنموية والاتجاهات العالمية. ورغم إدخال العديد من التعديلات على القانون ولائحته التنفيذية خلال العقود الخمسة الماضية فإن هذه التعديلات لم تغير من فلسفة القانون القائمة على المركزية الشديدة والتركيز على الجوانب الإجرائية والغياب الكامل للموجهات التنموية والاستراتيجية والمساءلة عن الأداء والنتائج. وتم إدخال تعديلات عديدة على هيكل الرواتب الأكاديمية، لكنها كانت دائماً قاصرة عن كبح جماح هجرة العقول من الجامعات الحكومية، وعاجزة عن إيقاف الفساد الذى استشرى فى هذه المؤسسات نتيجة سعى الكوادر الأكاديمية لاستكمال احتياجات الدخل الحقيقى الذى تهاوى نتاجاً لموجات التضخم المزمن والمتصاعد فى الأسعار، ونتيجة أيضاً لغياب الروادع القوية لإيقاف نزعات التربح والجشع التى سادت بين الكثير من هذه الكوادر. ولم يقتصر التردى على هذه الجوانب، وإنما امتلأت المؤسسات الجامعية بتكتلات وتجمعات عائلية بين الكوادر الأكاديمية فى الأقسام العلمية، لغياب الضوابط المانعة لهذه الظواهر التى تأخذ بها الجامعات العالمية. وقد تفاقم مستوى تأهيل أعضاء هيئات التدريس، نتاجاً لضعف برامج البعثات الخارجية وعدم عودة الكثير من المبعوثين فيها، ونتاجاً للاعتماد على نظام التأهيل الداخلى لهذه الفئة. وأصبح نظام التهجين الذاتى Inbreeding هو السائد، ليزيد أوضاع الجامعات ضعفاً على ضعفها الأصلى والمتزايد. وفى ظل غياب الموجهات التنموية والاحتياجات المستقبلية لأسواق العمل عن تحديد مجالات التخصص والأعداد المقبولة فيها واعتماد مكتب التنسيق على مجموع الدرجات فى شهادة الثانوية العامة، تزايدت الفجوة بين أعداد الخريجين من التخصصات المختلفة والاحتياجات التنموية والخاصة بأسواق العمل. وفاقم هذا أيضاً غياب التخطيط لدى المؤسسات الجامعية والكليات والأقسام التخصصية فيها، ناهيك عن عدم مواكبتها للتحولات الاستراتيجية الاقتصادية والتعليمية التى بدأت تكتسح العالم (مثل تكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة)، والتى ستكون لها آثار كبرى على هيكل الأعمال والمهارات وأسواق العمل وما يقابلها فى نظم وبرامج التعليم. وقد أدخلت برامج جديدة على التعليم العالى فى أوائل التسعينيات والألفية الجديدة (خاصة فى العلوم الاجتماعية والإنسانية) مثل التعليم المفتوح وبرامج وشعب اللغات وبرامج الدراسات العليا المهنية. ومع عجز موازنات الجامعات الحكومية ونزعات تحسين الدخل للكوادر الأكاديمية، تحولت هذه الرامج إلى مصدر رئيسى لزيادة دخل الجامعات والكليات المعنية، بل وإلى «سبوبة» يتصارع ويتهافت عليها أعضاء هيئات التدريس. وتضخمت هذه البرامج لتضرب عرض الحائط بكل معايير الجودة وكذلك معايير النزاهة الأكاديمية، فى ظل الغياب الكامل للحوكمة والمساءلة عن الأداء والممارسات الأكاديمية. وفى خضمّ كل هذا ضعفت موازنات البحوث وكذلك مستوى الإنتاج العلمى لأعضاء الهيئة الأكاديمية. وأغلب الجامعات الخاصة غلب عليها الطابع التجارى الصرف وانهارت معه جوانب الجودة ونزاهة الممارسات. وفى ظل هذه الأوضاع المنفلتة، توارى بل اختفى الدور التربوى والسلوكى لمؤسسات التعليم العالى مثلها فى ذلك مثل مؤسسات التعليم الأدنى التى انهارت منظومتها وأدوارها القيمية والتربوية بدرجة أكبر. وفى ظل هذا التدهور، لم تفلح المؤسسات والهياكل واللجان التى استُحدثت (هيئة الجودة والاعتماد، ونظم ووحدات الجودة فى الجامعات والكليات، ولجان القطاع التابعة للمجلس الأعلى للجامعات) فى التصدى لتيار التدهور الذى أصاب مؤسسات التعليم العالى.

أثيرت لدىّ هذه الإشكاليات والأوضاع التى يعانى منها قطاع التعليم العالى فى مصر منذ عقود. وقد تلمّستُها عن قرب بحكم خبرتى السابقة كمستشار لوزارة التعليم العالى للتخطيط الاستراتيجى، ورئيس للجنة قطاع فى المجلس الأعلى للجامعات، وخبراتى فى التخطيط الاستراتيجى لجامعات مصرية ومؤسسات تعليمية فى المنطقة العربية. وقد تبينت من هذه الخبرات أن الإصلاح الاستراتيجى لقطاع التعليم العالى ينبغى أن يستند ابتداء إلى: (1) موجهات وأهداف تنموية مستقبلية تكون مواكبة للتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية وتكون لها آليات على مستوى كل مؤسسة جامعية تسائل وتحاسب عليها، (2) تشخيص جيد للمشكلات والفجوات التى يعانى منها قطاع ومؤسسات التعليم العالى، (3) مجموعة من المبادئ والمفاهيم المعاصرة (اللامركزية- وضع كل جامعة للنظم واللوائح الخاصة بها- إدخال نظام الإدارة الاستراتيجية وإدارة الأداء والمساءلة عنه (وضمنه أهداف ومؤشرات أداء لكل جوانب العمل والأداء وكل مستوياته) وتحفيزه فى كل مؤسسات ومستويات قطاع التعليم العالى- تشجيع الأخذ بنظم الاعتماد العالمية للبرامج- الحوكمة الرشيدة والنزاهة الأكاديمية) التى توجه صياغة النظام والقانون الجديد. وينبغى أن يسبق هذه الموجهات والمبادئ وضع النظام والقانون الجديد (فنظام التعليم العالى أخطر من أن يُترك للقانونيين وحدهم)، (4) الاسترشاد بالاتجاهات والمرجعيات العالمية فى التعليم العالى وكذلك التحولات التكنولوجية (الثورة الصناعية الرابعة مثلاً) وانعكاساتها على المهارات والمهن والوظائف، (5) إعادة نظر شاملة فى موازنات التعليم العالى، خاصة فى الجامعات الحكومية بما فى ذلك موازنات رواتب وحوافز أعضاء الهيئة الأكاديمية وموازنات البحوث، لإيقاف التوابع السلبية لضعف هذه العناصر من ناحية، وكبح جماح تدبير الاحتياجات من خلال الموارد الذاتية للجامعات الحكومية، (6) التصدى الحاسم والشامل لممارسات الفساد والتربح من الوظائف الأكاديمية لمنعها وردعها، (7) القضاء على نظام التهجين الذاتى، وكذلك على التجمعات العائلية فى الأقسام الأكاديمية لما تمثله من صورة فجّة من المحسوبيات والتوريث الأكاديمى (قدمت حلولاً لهذه الظواهر فى دراسة سابقة نُشرت فى الوطن)، (8) وضع قواعد مشددة لضبط وتحجيم النزعات التجارية للجامعات والمعاهد الخاصة.

                                              أستاذ بجامعة الإسكندرية

                    المدير العام الأسبق للمنظمة العربية للتنمية الإدارية