حادثة القطار لن توقف القطار

برغم هذا الألم الذى يعتصر المصريين بسبب حادث تصادم قطارى سوهاج، ومع التأكيد على ضرورة محاسبة المتسبب فى هذا الحادث الذى حصد أرواح مواطنين أبرياء وخلّف عدداً من الإصابات لآخرين، فإن هذا الحدث الجلل لن يوقف قطاراً آخر انطلق من رحم ثورة ٣٠ يونيو منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى قيادة قطار بناء الدولة الحديثة، رجل تعامل بشكل حقيقى ومباشر مع كل القضايا والمشاكل التى خلفتها عقود من تزاوج الإهمال والفساد، مخطئ من يعتقد أن مشاكل مرفق السكة الحديد تتمثل فى حوادث القطارات فقط، بل هى أعمق من ذلك بكثير، تحتاج لتطوير حقيقى، تطوير للبشر قبل القطار، فالعنصر البشرى هو من يقود هذه المنظومة، وبالفعل أصبحنا فى أمس الحاجة إلى البدء السريع فى تطوير هذه المنظومة فنياً وبشرياً لتجاوز سنوات من الرعونة واللا مبالاة والتعامل مع هذه القضية بكلمتين عن التطوير تتردد عقب كل حادث..

فالقضية هنا ليست الحديث عن مجرد حادثة، فلو أجهدنا أنفسنا فى البحث سنجد أن حوادث القطارات والطرق ليست مقصورة على بلد بعينه بل هى متكررة بشكل لحظى فى كل بلدان العالم، خاصة حوادث القطارات، وتشهد الكثير من دول العالم حوادث مفزعة على خطوط السكة الحديد يكون العامل المشترك فيها أغلب الأحيان الإهمال.

فى يوليو ٢٠١٣ بدولة إيطاليا لقى ما لا يقل عن ٢٧ إنساناً على الأقل مصرعهم فى حادث تصادم بين قطارين بمنطقة بوليا الإيطالية الجنوبية، ما مثل واحدة من أحدث مآسى السكك الحديدية فى أوروبا، وكحال غيرها من دول العالم، وفى ٢٠٠٩ قتل ٢٩ شخصاً فى انفجار قطار يقل مواد بترولية فى محطة بمدينة فياريجوا..

وفى ٢٤ يوليو ٢٠١٣ بإسبانيا وقع حادث قطار سانتياجو دى كومبوستيلا وهو حادث قطار تابع لشركة رينفى، وقع فى مدينة سانتياجو دى كومبوستيلا فى منطقة جاليسيا شمال غرب إسبانيا، حيث أدى إلى مصرع ٧٠ شخصاً وإصابة ١٤٣ جريحاً، ويعتبر الحادث من أسوأ حوادث القطارات فى إسبانيا..

وفى ١٩ أكتوبر ٢٠١٨ شهدت الهند واحدةً من أسوأ كوارث السكك الحديد، حيث انحرف قطار أمريستار عن مساره ليدهس حشداً من الناس يحتفلون بمهرجان «دوسريه» بالقرب من أمريستار، ما أسفر عن مقتل أكثر من ٥٠ شخصاً وإصابة أكثر من ٢٠٠ آخرين.

وفى ٤ فبراير ٢٠١٨، شهدت أمريكا واحداً من أسوأ حوادث القطارات، حيث وقع حادث اصطدام قطار ركاب كان يقل ١٤٧ راكباً، مع قطار بضائع فى كارولينا الجنوبية بالولايات المتحدة أسفر عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة نحو ٧٠ شخصاً، الحادث تسبب بتسرب قرابة ٢٠ ألف لتر من المحروقات.

وفى ٥ مارس ٢٠٢٠ شهدت فرنسا حادثة خروج قطار فائق السرعة عن مساره بين ستراسبورج بشرق فرنسا والعاصمة باريس، ما أدى لإصابة ٢٢ شخصاً بإصابات خطيرة.

قصدت من سرد بعض هذه الحوادث ومدى بشاعتها أن نتوقف فقط عند حادث قطار سوهاج لمحاسبة المخطئين ثم التقاط الأنفاس والاستمرار وبسرعة فى تطوير هذه المنظومة، فلا يعقل أن مصر صاحبة أقدم شبكة سكك حديدية فى أفريقيا والشرق الأوسط تصل شبكتها لهذه الدرجة من الإهمال..

.. والحقيقة أن الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى باتت أكثر جرأة فى اقتحام هذه المشكلة المتراكمة مثلما اقتحمت ملفات ومشكلات أخرى متشابكة، ولعل «إدارة الأزمة» يُدلل على نضج واحترافية الدولة بكل مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والأمنية فى تناسق وانضباط وشفافية من خلال منظومة تقودها القيادة السياسية وتتابعها عن كثب.. الحدث جلل والألم عظيم ولا نملك سوى أن نحافظ على إصرارنا الوطنى فى المضى قدماً نحو تحقيق «النصر الحاسم» على إرث الفساد والإهمال الذى هو مسئوليتنا جميعاً لا أستثنى أحداً.. الدعوات للضحايا الأبرار بالرحمة، وللمصابين بالشفاء، وللمسئولين بالتوفيق، وللمتسببين بالعقاب الرادع، ورغم هذا الحادث فإن قطار مصر البناء ماضٍ فى طريقه ولن توقفه هذه الشماتة غير المستغربة من هذه الجماعة الإرهابية وأعضائها الذين باتوا يكرهون مصر بكل ما فيها، ويتعبهم أن يروا كل يوم شيئاً جديداً فى مصر الحديثة..