مدينة الدواء.. بين الأمن القومي والدبلوماسية الصحية

فى يوم الخميس الموافق الأول من أبريل الحالى، افتتح الرئيس عبدالفتاح السيسى مدينة الدواء، والتى تعد أكبر مدينة من نوعها على مستوى الشرق الأوسط، حيث تبلغ مساحتها 180 ألف متر مربع، وجرى تزويدها بأحدث التقنيات والنظم العالمية فى إنتاج الدواء، لتصبح بمثابة مركز إقليمى يجذب كبرى الشركات العالمية فى مجال الصناعات الدوائية واللقاحات. وتستخدم المدينة أحدث التقنيات والوسائل التكنولوجية، التى لا تعتمد على التدخل البشرى، لا سيما أنها مجهزة بكاميرات لفرز أى نوع من الأقراص المخالفة، حتى يصبح الإنتاج على أعلى درجات الجودة، وتقوم أجهزة المدينة بأعمال التنظيف الذاتى الإلكترونى لنفسها، الأمر الذى يسهم فى استمرار عملية الإنتاج دون توقف.ولا نغالى إذا قلنا إن مدينة الدواء تعد أحد أهم المشروعات القومية التى سعت الدولة لتنفيذها. إذ يتحدث العالم اليوم عن «الأمن الدوائى»، ناظراً إليه باعتباره أحد عناصر المنظومة الشاملة للأمن القومى. ويتحقق «الأمن الدوائى» من خلال قدرة الدولة على تحقيق الاكتفاء الذاتى من الأدوية الأساسية، التى يحتاج إليها المجتمع بجميع شرائحه، سواء فى الأوقات العادية أو فى أوقات الأزمات. ويندرج تحت مفهوم «الأمن الدوائى» أيضاً توفير الأدوية واللقاحات اللذين يحملان صفة الديمومة، كما يشمل توفير المواد الأولية اللازمة لدوران عجلة الصناعة الدوائية المحلية. وقد أثبتت ظروف جائحة كورونا مدى أهمية وضرورة الأمن الدوائى، لا سيما بعد أن تزايدت حوادث السطو من بعض الدول على شحنات القناعات الواقية والأدوية المتجهة إلى دول أخرى. ولذلك، وخلال افتتاحه مدينة الدواء، أشار الرئيس السيسى إلى أنه «برغم التكلفة المالية الكبيرة للمصانع والمدينة، ولكن الهدف ليس الاستثمار أو البيع، وإنما امتلاك قدرة إنتاجية حقيقية على أعلى مستوى لا يقل عن مثيله فى أرقى دول العالم»، مؤكداً أن صناعة الدواء تمس كل مريض، فمن حقه الحصول على الدواء بسعر مناسب، سواء عن طريق الشراء مباشرة أو عن طريق التأمين الصحى.من ناحية أخرى، ومع تفشى جائحة كورونا، بدا واضحاً للعيان النقص الحاد للمستلزمات الطبية والفشل الذريع للمنظومة الصحية فى العديد من دول العالم المتقدم، فى الوقت ذاته الذى أثبتت دول أخرى متانة وكفاءة نظامها الصحى. وإزاء هذه الظروف، وجدت بعض الدول الفرصة سانحة لتعزيز دورها على الصعيد العالمى وتعزيز الصورة الذهنية الإيجابية عنها لدى الشعوب الأخرى، وذلك من خلال ما أطلق عليه «دبلوماسية الدواء» أو «دبلوماسية الأدوية» أو «الدبلوماسية الطبية». وهكذا، وبعد أقل من شهر على إعلان منظمة الصحة العالمية عن تحول فيروس كورونا إلى جائحة، وتحديداً فى الرابع من أبريل 2020م، أرسلت مصر طائرتين محملتين بالمستلزمات الطبية إلى إيطاليا. وفى الشهر ذاته، وبتوجيهات من الرئيس السيسى، أرسلت مصر مساعدات طبية للولايات المتحدة الأمريكية، دعماً لها فى المعركة ضد فيروس كورونا. وقد دفع ذلك موقع (بى بى سى) إلى التعليق قائلاً: «دشنت مصر حملة دبلوماسية علاقات عامة صحية مع الغرب». كذلك، لم تنس مصر محيطها الجغرافى العربى والأفريقى، حيث تم مؤخراً إرسال مساعدات طبية إلى كل من اليمن وجنوب السودان. وعلى هذا النحو، يبدو سائغاً القول إن مدينة الدواء المصرية من شأنها تعزيز الدبلوماسية الطبية والدوائية المصرية. والله من وراء القصد..