سد النهضة وفن إدارة الأزمة
جميع الأطراف خاسرة فى أى حرب، بمن فيهم المنتصر. هكذا عبّر الحكيم الصينى سون تزو منذ ما يزيد على 2500 عام فى كتابه الخالد «فن الحرب».
وقد تتساءل كيف للمنتصر أن يخرج خسراناً من الحرب؟ فيجيبك سون تزو بأن المنتصر يوجّه كل إمكانياته العسكرية والاقتصادية للحرب لينتصر فيها، وهو ما يؤثر على حركة التنمية الداخلية فى بلده.
إذاً هل يعنى هذا أن سون تزو لا يحبّذ خيار الحرب؟ نعم ولذا جعله آخر خيار عليك اللجوء إليه إذا ما اضطرتك ظروف الأزمة المحيطة بك إلى ذلك.
بمعنى لا تجعله خيارك الأول بل الأخير.ربما يجيب ذلك على البعض ممن تابعوا تصريحات الرئيس عبدالفتاح السيسى فى المؤتمر الصحفى الذى عقده فى نادى قناة السويس فى أعقاب نجاح جهود العاملين بالقناة المصرية فى تعويم السفينة البنمية التى كانت عالقة لمدة ستة أيام بقناة السويس، حين تحدّث عن أزمة سد النهضة وعدم سماح مصر لأى طرف بتهديد الأمن المائى لها، ووضعها أمام الأمر الواقع بملء ثانٍ للسد فى شهر يوليو المقبل وفق التصريحات الصادرة عن أديس أبابا.
وقال الرئيس نصاً: «نحن لا نُهدّد أحداً ولكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد، ومن يريد أن يجرّب فليتفضل».كان تصريح الرئيس المصرى حاسماً وقاطعاً انتظره كثيرون منذ سنوات بدء التفاوض على مياه السد وتوقيع اتفاق حُسن النوايا بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015.
ولكن مقولة سون تزو تفسر لك صبر مصر لمدة ست سنوات قضتها فى التفاوض رغم يقينها من عدم جدية الطرف الآخر، فالعقلية العسكرية المصرية تؤمن دوماً بالحرب كخيار أخير.إذاً ما المتوقع فى الأيام المقبلة، وهل تعنى تلك التصريحات وصول الأزمة إلى حائط مسدود؟ ربما، ولكن هناك بعض الأخبار التى يمكن منها فهم استمرار التفاوض وبقوة لإحداث التأثير المطلوب على موقف إثيوبيا بشتى الطرق ليكون خيار المواجهة هو الأخير إذا اضطرتنا إثيوبيا إلى ذلك.
من بين تلك الأخبار حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه فى اليوم ذاته فى القناة، حين قال إننا سنواصل التفاوض لآخر مدى، وكذلك الخبر الذى نُشر منذ أيام وتضمّن إعلان الإمارات إرسال 46 طناً من المساعدات الإنسانية لإقليم التيجراى بإثيوبيا فى ظل الروابط التى تربطها بالدولة الإثيوبية، بالإضافة إلى خبر نُشر منذ يومين عن بحث شركة «ديزرت تكنولوجى» السعودية الخاصة العاملة فى مجال الطاقة، الاستثمار فى مجال الطاقة المتجدّدة فى إثيوبيا.
وهو ما يعنى استمرار فتح قنوات التواصل العربية مع إثيوبيا من قِبل أكثر دولتين تربطهما علاقات سياسية وثيقة مع مصر.يأتى هذا فى ظل تقدّم قوات جبهة تحرير أورومو تجاه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، فى صراع قديم يتجدّد مع طائفة الأمهرة التى ينحاز لها رئيس الوزراء الإثيوبى الذى لم يتوانَ عن تحطيم المقاومة ضده فى إقليم تيجراى مع السودان. وأحاديث عن تفكّك إثيوبيا وصراعها الداخلى وأزمتها الاقتصادية الطاحنة.لذا يبقى السؤال: هل حانت لحظة المواجهة، أم للمواجهة وجوه متعددة؟