الشرطة "تكنس" شوارع وسط البلد.. والباعة: "إحنا رابعة ولا إيه"
هدوء شديد لا يكسره سوى حركة المارة المسرعين إلى عملهم.. انسيابية مرورية يراقبها عساكر مصطفون على الجانبين.. همسات خافتة وحركة مترقبة بالشوارع الجانبية لدار القضاء العالي، وتحديدا شارع طلعت حرب، ما هي إلا لحظات قليلة حتى أعلنت دقات الساعة تمام الثامنة من صباح يوم الأحد الرابع والعشرين من أغسطس، تاريخ وقع عليه الاختيار لتنفيذ قرار الحكومة لنقل الباعة الجائلين من هذه الشوارع إلى جراج الترجمان، مؤقتا، حتى الانتهاء من إقامة مجمع الأسواق بـ"وابور الثلج"، ليترك في ذاكرة الأحداث علامة بارزة.
على مسافة لا تتعدى الدقائق سيرًا على الأقدام من دار القضاء العالي، حيث تتمركز 7 سيارات أمن مركزي ومدرعتان، يُسرع فتى نحيل الجسم أسمر الوجه لايتعدى الخامسة عشر من عمره ممسكًا ببضاعته ليخفيها داخل مخزن سرى بعيدًا عن بطش أصحاب"البدل الميرى"، وبصوت ينهج من السرعة والترقب يقول "رايح أخبي الحاجة بتاعتي لحد ماشوف هيحصل أيه، الحكومة هنا من بدري وشالت جزء كبير من التابلوهات ولحد دلوقتي مافيش اشتباكات".[FirstQuote]
خطوات مسرعة ومحادثات هاتفية خائفة يقطعها صوت رجل يتحدث في هاتفه بصوت عال صائحا "سايب بضاعتنا فى الشارع ليه وأنت عارف أن الحكومة هتيجي من بدري، تعالى ساعدني أشيلها بسرعة مفيش وقت"، يمضي في طريقه متجهًا إلى بضاعته المتروكة في نهر الشارع.
خطوات قليلة لتصل إلى ميدان طلعت حرب الشهير، على طول الشارع المؤدي إلى ميدان التحرير وتحديدًا أمام سنيما ميامي، يصطف مجندون على الجانبين؛ بأياد متشابكة؛ وجسم مشدود؛ ودروع واقية؛ على أهبة الاستعداد، كأن الساعات المقبلة ستشهد زخمًا من أحداث غير متوقعة.
"هو إحنا رابعة ولا إيه، إيه كل الأمن والشرطة دي أحنا مش معانا سلاح ولا مطاوي، هما بيعاملونا كده ليه"، هكذا عبر "أسامة" أحد الباعة الجائلين عن غرابة المشهد الذي بدا وكأنه جزء من مظاهرة كبيرة أو فض اعتصام رابعة -على حد تعبيره-.
بملامح متعبة ووجه يائس لا يملك سوى الحسرة يقول "حسن" أحد الباعة الجائلين بشارع قصر النيل، "إحنا جدودنا عاشوا هنا ومحدش اشتكى مننا أبدًا، لا محلات ولا سكان، والدليل على كده؛ أن الشرطة موجودة كلها فى طلعت حرب، عشان عارفين أننا كويسين"، مستكملًا بحسرة "أنا روحت الترجمان ملقتش غير ثلاث بياعين هناك، كأن الحكومة حلت كل المشاكل ومش ناقص إلا المشكلة دي، هنعمل أيه؟ مفيش فى أدينا حاجة"، ليؤمن زميل مهنته على كلامه "حسبي الله ونعم الوكيل".
مدرعة وونش وسيارة نصف نقل، اصطفت بشارع محمد فريد، لمساعدة قوات الشرطة في نقل الباعة الجائلين، الذين وضعهم حظهم السيئ في طريق من لا يرحم، في حين كانت "التصاريح" هي بوابة الأمان لبعض أصحاب الأكشاك الموجودة في الشوارع، الذين وجدوا في إخراجها، بعد مكوثها فترة ليست بالقليلة لا يسأل أحد عنها، ملاذًا آمنا لسلعهم، وحتى لا تقع جميعها بين براثن قوات الأمن التي حملت على عاتقها همّ تنظيف الشوارع من كل ما يعيق المارة.[SecondQuote]
تستخدم قوة الأمن في إعادة هيبة الدولة من خلال تطبيق قانون الإشغالات التي بدأ تنفيذه، اليوم، وصفه "عم شعبان" بائع الجرائد، والذي حفظه كل جيرانه، نظرًا لمكوثه ما يقرب من 30 عامًا "القرار ده ظالم جدًا وأنا مش هسكت وهطلع على الحي علشان أخد حقي لأني معايا تصريح وماشي بالقانون"، وذلك بعد إبراز التصريح الذي حصل عليه من مؤسستي الأهرام والأخبار، ليرد عليه العميد المسؤول عن رفع "التابلوه": "ممكن يكون التصريح مزور وأنا عندي تعليمات نشيل أي حاجة مخالفة".
لم يجد الرجل سوى نظراته التي خبأت خلفها تعاسة ما حدث، والذي ظهر عليه معالم الهرم وكبر السن بعد "قطع لقمة عيشه"، والذي وجد في صمته أبلغ رد على ما حدث لـ"شقى عمره"، والذي بناه خشبه متلاصقه للأخرى، حتي كسر العميد حاجز الصمت ذاك، ويلقن عم شعبان درسًا قاسيًا، قائلًا له "وجود الفرشة دي خطر عليك وعلى الناس، ممكن أي عقب سجارة يولع في فرشتك والمحلات اللي جنبها، وماتستبعدش أن العمارات تولع هي كمان بسبب فرشتك دي"، والذي لم يحضر في ذهنه سوى كلمتان "اللي تؤمر بيه يا باشا".
"إنت ليك حق، وفرشتك ما تنفعش تتشال، أنت بتبيع جرايد ودي سلطة رابعة"، كانت محاولة دؤوبه من عم حسن صديق عمر عم شعبان، الذي ساعده في تنحيه كتبه جانبًا عن نهر الطريق، وليحاول التهدئة من روع الرجل العجوز الذي رد عليه قائلًا "بلا سلطة رابعة بلا بتاع، كل ده خلاص راح زمنه".
وفي تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا، استطاعت قوات الأمن رفع جميع إشغالات الطريق، حسبما قال مقدم بشرطة المرافق - رفض ذكر اسمه لحساسية منصبه - إن الحملة التي شنتها قوات الأمن تجاوز تعداد أفرادها 12 ألف شخص ما بين أفراد شرطة وضباط وأمناء.
وأكد الضباط أن قوات الأمن ستظل متمركزة بالمنطقة حتى مساء اليوم، مشيرًا إلى وصول تعليمات لهم مفادها بقاؤهم في المنطقة مدة لا تتجاوز الـ 15 يومًا، موضحًا تعاون الباعة الجائلين لهم في رفع الإشغالات دون حدوث أي مناوشات، والذي أدى بدوره إلى رفع جميع الإشغالات المخالفة وبقاء من لديه ترخيص وسند قانوني في الشارع للحصول على قوت يومه.
في الشارع الخلفي لمكان الضابط، وبالتحديد في شارع قصر النيل امتداد شارع شريف، نظم عدد من الباعة الجائلين مظاهرة، شارك فيها ما يقرب من 15 شخصا، إلا أن مظاهراتهم لم تحرك ساكنًا للضباط الذين كانوا على بعد خطوات منهم، لكن فور وصول إخبارية لهم بقدوم المهندس إبراهيم محلب للتأكد من سلامة سير عملية رفع الإشغالات عن الطريق، قاموا فورًا بفض مظاهرة الباعة، وأدخلوها في أحد أحواش البيوت، أعقبها دخول أحد اللواءات لهؤلاء الباعة للمحاولة للوصول إلى حل في تلك المشكلة، إلا أن تكالب الباعة على الضابط في عرض أفكارهم، حال دون الوصول إلى حل سليم، لكن بعد ما يقرب النصف الساعة، مر موكب محافظ القاهرة الدكتور جلال مصطفى سعيد، والذي لم يستغرق مروره أكثر من دقيقة.
"يبقى الوضع على ما هو عليه".. كذلك وصف أحد سكان شارع قصر النيل ما آلت إليه الأوضاع، ليعقبها كلمات صاحب أحد المحلات قائلًا "الوضع ده مش هيستمر كتير، وكمان يومين البياعين هيرجعوا تاني لأنهم مالهمش مكان تاني غير ده".