وقفة مع الإعلانات

تكتسب صناعة الإعلان أهمية كبيرة على أكثر من صعيد، وهى تعد من الصناعات الإيجابية والبناءة، التى تتسم عادة بطابع فنى وجهد إبداعى خاص، وهو الأمر الذى حمل كثيرين من المُنظرين على اعتبارها فناً.

عندما تزدهر صناعة الإعلان فى مجتمع ما، فإن ذلك يعنى الكثير؛ فأولاً، يشير هذا الازدهار إلى انتعاش اقتصادى وتجارى وارتفاع فى حجم المعروض من السلع والخدمات وقدرة لدى الجهات المنتجة للإنفاق من أجل تسويق منتجاتها، وثانياً، فإن هذا الازدهار يعنى أيضاً أن صناعة الإعلام ستكون بخير، إذ تشكل عائدات الإعلان أفضل الموارد التى يمكن أن تعتمد عليها وسائل الإعلام فى الاستدامة والتطور وتمويل التشغيل، خصوصاً إذا أرادت أن تكرّس استقلاليتها، فى ظل عدم امتلاكها مصادر تمويل سياسية أو حكومية أو تعاونية.

ولهذه الأسباب تتسابق وسائل الإعلام على الفوز بالحملات الإعلانية، ويهتم كبار المعلنين ببحوث قياس مدى الانتشار ونسب المشاهدة من أجل اختيار أفضل «منافذ العرض» لإعلاناتهم، بما يحقق لهم القدرة على الوصول إلى أكبر نسبة من أفراد الجمهور، ومحاولة إقناعهم بشراء السلع والخدمات التى يروجون لها.

يُعد شهر رمضان موسماً شهيراً فى مصر للإنتاج الدرامى والبرامجى كما نعلم جميعاً، وبموازاة ذلك فهو أيضاً أهم موسم لعرض الإعلانات التجارية، وهو الأمر الذى يجعل من دراسة نمط تقديم الإعلانات خلال هذا الشهر عملاً ضرورياً، إذ يلقى بالضوء على آليات تلك الصناعة ويعين سماتها فى ذروة توهجها وحالتها الإنتاجية الأكثر كثافة وتركيزاً.

ولحين امتلاك مصر عدداً مناسباً من مراكز البحوث المتخصصة فى تحليل المحتوى الإعلانى وآليات التحقق من الانتشار كما هو الحال فى دول متقدمة عديدة، سيمكن أن نلجأ إلى الملاحظة المباشرة المبنية على متابعة منتظمة لما ظهر من ملامح إعلانية خلال شهر رمضان الجارى، فى محاولة لاستخلاص نتائج يمكن أن تسهم فى تقويم تلك الصناعة التى عرفنا أنها تنطوى على أهمية كبيرة.

عندما نمعن فى تقييم حالتنا الإعلانية الرمضانية الراهنة، سيبرز على الفور ملمح رئيسى طالما استفز كثيرين واستدعى انتقادات حادة؛ فبسبب عدم الالتزام بالاعتبارات المهنية التى تعتمدها صناعة الإعلام والإعلان فى مصر، ونظراً للأزمة الاقتصادية الراهنة التى تفاقمت بالضرورة جرَّاء تداعيات «كورونا»، فإن الإعلان جار على الإعلام فى هذا الشهر الكريم وتغوَّل عليه وحال دون أن يقدم هذا الأخير رسالته المفترضة على النحو المأمول.

وببساطة شديدة، فيبدو أن مدد عرض الإعلانات المصاحبة للمسلسلات والبرامج الجماهيرية الرئيسية فى شهر رمضان زادت على مساحة المادة البرامجية والدرامية، حتى وصل الأمر إلى عرض دقيقتين إعلانيتين فى مقابل عرض كل دقيقة برامجية أو درامية فى عديد الأحيان.

تعد تلك نسبة خيالية وهزلية عندما تقارن بما يحدث فى بلدان العالم المختلفة؛ ففى دراسة أنجزتها شركة «نيلسون» المتخصصة فى بحوث المشاهدة على الفضائيات الخاصة فى الولايات المتحدة الأمريكية على مدى خمس سنوات متتالية، اتضح أن أكبر نسبة تستحوذ عليها الإعلانات فى التليفزيون التجارى الأمريكى لم تزد على 15 دقيقة فى الساعة البرامجية الواحدة.

يعنى هذا أن التليفزيون التجارى الأمريكى، الذى يعمل فى مجتمع قائم على الإنتاج الكبير والاستهلاك الكبير ومكانة رفيعة للأنشطة الإعلانية، يعطى للإعلانات نحو 25% من الزمن المخصص لبث المواد الإعلامية سواء كانت درامية أو برامجية، ولا يزيد على تلك النسبة أبداً.

أما فى الأقنية العمومية التى يمولها دافعو الضرائب، فإن نسبة الإعلانات إلى المحتوى البرامجى لا تتعدى 5% فى معظم الأحيان.

وفى عديد الدول التى تمتلك هيئات خاصة بضبط صناعة الإعلان، أو حتى فى الدول التى تسند إدارة مجالها الإعلامى عموماً لهيئات ضابطة مستقلة، فإن أكواداً ملزمة تصدر لتحديد نسبة عرض الإعلانات ضمن المادة البرامجية، ولا يتم السماح للقائمين على وسائل الإعلام المختلفة بتخطى تلك النسبة مهما كانت المغريات.

ما زلنا فى مصر نخفق فى إلزام وسائل الإعلام بتحديد نسبة لعرض الإعلانات، وتكتفى الهيئة الضابطة المصرية المعنية بهذا الأمر بمناشدة وسائل الإعلام الالتزام بنسبة مناسبة، لكنها لا تنجح فى فرض تلك النسبة وحماية الجمهور من سيل الإعلانات المنهمر، الذى يفسد حالة التلقى، ويعكس انتهازية ونزعة تجارية غير رشيدة لتلك الأقنية على حساب معايير المشاهدة.

ثمة ملاحظة أخرى يمكن استخلاصها من المشهد الإعلانى المصاحب لرمضان الحالى؛ وهى أن معظم المعلنين وشركات الإعلان راحت تركز على استخدام النجوم الكبار لترويج السلع والخدمات، وهو أمر يحدث فى جميع الدول ولا غبار عليه بطبيعة الحال، لكن ما يجرى بموازاة ذلك أيضاً هو تميز بعض الإعلانات بغياب النجوم فى مقابل التعويل على أفكار مبدعة وجديدة وجذابة، وهو أمر لم نجده إلا نادراً فى الموسم الرمضانى الحالى للأسف.

أما الملاحظة الثالثة فتختص بموضوعات الإعلان التى توزعت كما نرى بين إعلانات «الكومباوندات»، و«التبرعات»، و«المؤسسات الكبيرة» (البنوك وشركات الاتصالات والمياه الغازية)، وأخيراً «المنتجات الاستهلاكية».

وتظهر المفارقة الكبيرة فى التباين الصارخ والتفاوت الكبير بين إعلان «المنتجع» وإعلان «التبرع»، وكلاهما كما نعرف يخاطب شريحة واحدة، وفى هذا الأمر ما يجب أن يسترعى الانتباه.