أثبتت تجارب التحول الديمقراطى العلاقة بين الإصلاح الاقتصادى والسياسى. فهناك مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية التى قد تؤثر سلباً أو إيجاباً على فرص نجاح التحول الديمقراطى فى الدول التى تمر بالمراحل الانتقالية كما هو الحال فى مصر ومنها: المتوسط العمرى للسكان، التوزيع الديموغرافى بين الريف والحضر، نسبة الفقر، حجم الطبقة الوسطى، ودرجة اعتماد المواطن على الدولة فى الدعم والتشغيل. سنحاول أن نستعرض بعضاً من تلك المؤشرات مع بيان مدى تأثيرها على فرص الدمقرطة فى مصر.
بالنظر إلى نسبة توزيع السكان بين الريف والحضر، سنجد أن المجتمع المصرى لا يزال ريفياً لحدٍ ما. تخبرنا تجارب الدمقرطة أن ثمة علاقة إيجابية بين نسبة التمدن وفرص التحول اليمقراطى. يرجع هذا إلى عدة عوامل اقتصادية/اجتماعية، منها أن نسبة التمدن عادة ما تكون معبرة عن درجة التقدم الصناعى الذى يرتبط بالضرورة بظهور ونمو أنماط من المؤسسات المهنية والحرفية التى تتطلب قدراً معيناً من الوعى والتعليم.
وقد وصلت مصر إلى أعلى نسب التمدن فى الفترة ما بين 1974 و1991 والتى شكلت خلالها نسبة الذين يقطنون المدن حوالى 44% من إجمالى السكان. ومع تبنى الدولة لسياسات إعادة الهيكلة فى التسعينات وما صاحبها من نمو فى القطاع غير الرسمى، تقلصت نسبة ساكنى المدن إلى 40% تقريباً فى 2010. السبب الرئيسى فى ذلك يرجع إلى ضمور القطاع الصناعى وعدم قدرته على استيعاب العمالة الداخلة لسوق العمل. بينما استمر القطاع غير الرسمى فى النمو المتزايد حتى صار يستوعب أكثر من ثلثى الوافدين الجدد إلى سوق العمل فى 2010.
هناك أيضاً علاقة إيجابية بين حجم الطبقة المتوسطة وفرص تحقيق التحول الديمقراطى. فى الحالة المصرية كان المدخل المعتاد للطبقة الوسطى هو التوظيف الحكومى، ومع انكماش القطاع الحكومى وتناقص فرص العمل فيه وانعدام قدرته على توفير الدخل والخدمات للعاملين، تقلصت الطبقة الوسطى. فمع زيادة حجم القوى العاملة من 17 إلى 27 مليون عامل ما بين 2000 و2010، ثبت حجم العمالة فى الجهاز الحكومى عند 5٫5 مليون. فى الوقت ذاته كان نمو القطاع الخاص محدوداً نسبياً مما لم يسمح بامتصاص تلك العمالة. كما تركزت معظم فرص العمل فيه فى قطاعات كالخدمات والبناء والسياحة مما أدى إلى تركز الطلب على العمالة إما فى الشرائح الدنيا أو فى المراتب الوظيفية العليا نتيجة للطبيعة التوظيفية لتلك القطاعات التى تقل فيها الفرص فى مستويات العمالة المتوسطة، على عكس القطاعات الصناعية.
يعنى هذا بالضرورة أنه من المهم أن تزيد الاستثمارات فى القطاع الصناعى الذى يعتبر المحرك الأساسى للتنمية.