الإبداع.. حين يصبح الفن وطناً (2)

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

أهم السمات التى ربطت ثلاثة أعمال درامية حظيت باهتمام المشاهد: استعراض شامل للصلة بين الخيوط المتشابكة لمقومات آفة الإرهاب، تنوع وتكامل التركيبة الفنية بين «الاختيار 2» و«القاهرة - كابول»، «هجمة مرتدة» يضع المشاهد أمام صورة بانورامية تضافرت فيها عناصر الحقائق الموثقة والإبداع الدرامى. المؤكد أيضاً أن حجم الالتفاف الجماهيرى الذى نجح هذا التوجه فى تحقيقه سيتجاوز كونه مجرد موجة زمنية محددة إلى حالة فنية مستمرة أكثر ارتباطاً بقضايا وحقائق تلبى رغبة الذوق العام.

فى «الاختيار 2» دعم المخرج بيتر ميمى السرد الواقعى لبطولات رجال الشرطة بتقنية الدمج بين مشاهد وشخصيات من الجزء الأول بما يخدم السياق الدرامى والفترة الزمنية التى تدور فيها أحداث الجزء الثانى، خصوصاً أنها خلال فترة اعتصام رابعة الإرهابى المسلح تنقلت متسارعة من ذروة إلى ذروة ومن مدينة إلى أخرى فى ارتباط بين ما كان يجرى فى سيناء واعتصام رابعة.. بالتالى ظهور شخصيات الجزء الأول ودمج الأحداث عزز سرد الحقائق الحاضرة فى الأذهان. براعة كاميرا المخرج بيتر ميمى وقطعات المونتير أحمد حمدى فى استعراض دخول الشهيد محمد مبروك اعتصام رابعة والنقلات بين اللقطات الواقعية والدرامية ومتابعة محاولات نشر الفوضى فى مختلف المدن، تقنية توظيف الصورة.. عناصر دعمت حقيقة وجود خطط دقيقة وُضعت من قيادات التنظيم الإخوان فى تحرك مترابط لنشر العنف.. مشهد تنقل الكاميرا بين حث التكفيرى همام عطية لبعض الشباب المغيبين على «جهادهم المسلح!» وحوار الشهيد مبروك مع أحد زملائه الذى يفند تاريخ أكاذيب الجماعة مواجهة فكرية صيغت درامياً ببراعة فنية عالية.

مشهد خروج المعتصمين بعد الفض وإشارة تحول رابعة إلى مظلومية يعيد للذاكرة تأثر حسن البنا تاريخياً بالمذهب الشيعى الذى تغلب على معتقداته هذه الطقوس. عناصر القوة والمصداقية فى «الاختيار 2» تكمن فى توظيف الحقائق والأحداث داخل عنصر الدراما، خصوصاً أنها لا تتناول سيناريو يحمل وجهة نظر.. لكنها تطرح الحقائق فى إطار فنى من مختلف الزوايا.

«القاهرة - كابول» عملية تشريح صاغها إبداع المؤلف عبدالرحيم كمال تقتحم بُعداً آخر لمنظومة الإرهاب.. السيناريو أشبه بمشرط يكشف بدقة جذور صناعة الشخصية التكفيرية وارتباطها بالشخصية الانتهازية فى رحلة وصول الأول إلى مرتبة الخلافة والثانى لتصدر الشهرة الإعلامية. كما تجدر الإشارة إلى توقف سياق الأحداث أمام حقيقة كشف تناقض منظومة المصالح الدولية بين دعم فعلى للتنظيمات التكفيرية، ودعواتها علناً إلى محاربتها. كما استهل الدخول للمشاهد بجرعة إنسانية ناعمة قبل اصطحابه إلى وحشية ودموية أجواء التنظيمات التكفيرية فى جبال كابول وتورا بورا.. ثم يقتحم بسلاسة منطقة وعى المشاهد فى مواجهة النهج التكفيرى بعد التمهيد الدرامى.

مصر هنا لا تخاطب نفسها، هى تسلط الضوء على أخطر التهديدات أمام المنطقة والعالم، فى صياغة جمعت بين منطقتى الوعى والمشاعر وهى تتنقل بين نزعات طفولة وتحولها إلى واقع يحكم مصير الأصدقاء الأربعة.. نقلات كاميرا المخرج وهى تستعرض ردود أفعال الأصدقاء خلال الحوار بينهم مع براعة مباراة الأداء بين طارق لطفى، وخالد الصاوى، وأحمد رزق، وفتحى الوهاب عززت فكرة المواجهة بين معتقد مريض بوهم أنه فقط «الفئة الناجية» مانحاً نفسه السلطة الإلهية لاختيار جهنم مصيراً لكل العالم.

منطقة شعورية خاصة تكمن داخل نفس المشاهد تجاه كل كشف من ملفات عمليات جهاز المخابرات ترتبط بأبطالها الذين نأوا بأنفسهم عن المديح أو شهوة الأضواء واختاروا المخاطرة بحياتهم فى مهمة حماية الوطن وهم داخل منطقة الظل. قوة مسلسل هجمة مرتدة تكمن فى انتقاله إلى منطقة ثالثة تكشف معارك الجيل الرابع والطفرة الكبيرة فى تطور آليات عمل المخابرات.. باهر دويدار يصوغ ملف قصة حقيقية من بطولات المخابرات التى تكشف مواجهة حرب المعلومات فى إطار الثورة التكنولوجية التى غيّرت أدوات الصراع العالمى. لعل أبرز علامات الاستفهام الجديرة بالمراجعة ضمن مشاهد المسلسل دقة متابعة المخابرات المصرية لما كان يُرتَّب للمنطقة منذ عام 2007 على خلفية حقائق غير معروفة مسبقاً مسرحها العراق منذ الاحتلال الأمريكى.. تحديداً داخل معتقلات كروبر وأبوغريب وتخبط القوات الأمريكية فى التعامل مع عناصر تكفيرية تولت فيما بعد قيادة التنظيمات.