مذكرات مصطفى الفقي نظرية القنفذ والثعلب
تعليقاً على مقال الأسبوع الماضى، الذى تحدثنا فيه عن الاهتمامات المتنوعة للدكتور مصطفى الفقى، تلقيت رسالتين عبر «الواتساب» من الصديق العزيز المستشار والمحامى البريطانى الجنسية الهندى الأصل، نافين أجنيهورتى. وتشير الرسالة الأولى إلى كتاب صادر عام 2015م، للكاتب (Alastair Campbell)، ويحمل عنوان Winners:And How They Succeed)). وكما هو واضح من عنوانه، يحكى الكتاب قصص بعض الشخصيات الناجحة مع بيان الكيفية التى نجحوا من خلالها. أما الرسالة الأخرى، فتشير إلى مقال منشور فى موقع (Scienceve)، عن سبعة من العلماء ذوى المواهب المتعددة، والذين أسهموا بدور بارز فى مجالات مختلفة من العلوم. وهؤلاء العلماء السبعة هم: إسحاق نيوتن، أرسطو، البيرونى، مارى كورى، بنجامين فرانكلين، لويس باستير، ليوناردو دافنشى.
أما الزميلة العزيزة الخبيرة القانونية البريطانية الجنسية، كلوى فيرونيكا سيرون، فقد أرسلت إلىَّ رسالة عبر «الواتساب»، تقول فيها: «عندما كنت فى مرحلة دراسة الماجستير بالجامعة، أوضح لنا أستاذنا أن الأطروحات التى تحقق قدراً أعلى من التميز هى الأطروحات التى تركز على موضوع واحد، وليست الأطروحات التى تتناول مجموعة متنوعة من الموضوعات. ومع ذلك، وفى اعتقادى أن الاهتمامات المتنوعة المشار إليها فى هذا المقال تؤدى إلى تمتع صاحبها بمهارات متعددة، وبحيث تكون هذه المهارات المتنوعة مفيدة ونافعة فى كل مجال من مجالات الاهتمام».
وفى هذا الإطار، لا بد أن نستحضر «نظرية القنفذ والثعلب»، المنسوبة إلى المنظر الاجتماعى والسياسى والفيلسوف ومؤرخ الأفكار، الروسى الأصل البريطانى الجنسية، السير «أشعيا برلين». وتنطلق هذه النظرية من شطر من قصيدة نثرية للشاعر اليونانى «أرخيلوخوس»، تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهو أن «الثعلب يعرف العديد من الأشياء، بينما يعلم القنفذ شيئاً واحداً مهماً». وعلى هدى هذه المقولة، استطاع «أشعيا برلين» تصنيف البشر إلى نمطين. فبينما يملك نمط الثعالب شغفاً تجاه تنوع الأفكار والآليات، يميل نمط القنافذ إلى التعامل مع الأمور كافة من منظور أحادى. وهذا التصنيف يساعد أيضاً فى فهم طريقة تعامل كل نمط منهما مع الواقع من حوله. بيان ذلك أن الثعالب تتسع مخيلتها لاستيعاب الكثير من المعلومات، مما يجعلها قادرةً على الإيمان بأن العالم من حولها هو عالم متماسك، يخضع للعديد من الظواهر غير المفهومة التى لا تتناسب وحدود المساحة المعرفية التى يملكها كل منهم. ولذلك، فهم قادرون تماماً على التأقلم مع الواقع ومواجهته. فالكون الذى نعيش فيه يحوى من المعطيات أكبر مما نستطيع استيعابه، وتتجلى حكمتنا فى الحياة بذاك القدر الذى نسمح به من التصالح مع تلك المعطيات أو التسليم بها. وعلى العكس من المنظور السابق، فالقنافذ تجد صعوبة فى التصالح مع العالم وتظل فى نزاع دائم مع الواقع، وذلك لكون هدفها وطريقتها فى التعامل معه تتضمن التركيز على شىء واحد كبير. وبعبارة أخرى، تجاهد القنافذ وتسعى، دون كلل، لمنح العالم صفة الشمولية والتعامل مع الواقع بمنظور أُحادى. وبناء على ذلك، بينما تتأقلم الثعالب بمرونة مع العالم وتعيش فى سعادة، تعانى القنافذ طوال حياتها فى سعيها الدائم لقولبته وتأطيره. وهكذا، يمكن القول إن القنافذ قد تحقق نجاحاً علمياً أو أكاديمياً، ولكن الثعالب تنجح مجتمعياً من خلال قدرتها على التعامل والتأقلم مع الواقع المحيط بها. وفى النهاية، لن تستقيم الحياة بنمط واحد من البشر، ولكن تستمر الحياة وتتطور بهذا التنوع والاختلاف بين بنى البشر.