لم يكن مأمولا أن يكون وزراء الثورة مجرد موظفين بيروقراطيين، ومرتعشين، ومترددين إلى هذا الحد، مجرد وزراء «تسيير أعمال» أو حقيقة تستطيع أن تقول مطمئنا عنهم إنهم وزراء «تعطيل» أعمال.. عاجزون للغاية.. وخائفون.. مجرد «موظفين صغار» فى مقاعد كبيرة، ومتسعة عليهم، سلطة أكبر من الرجال، ومسئوليات أثقل من أن يقدروا عليها.. أو لا يقدرونها تماما، وكل ما يرجونه أن تمضى أيامهم فى وجاهة المنصب بسلام.
ليسوا هؤلاء الذين تمنيناهم.. ولا هذه مصر التى نرجوها.. نريد بلدا عفيا، قويا، قادرا، ناهضا، متطلعا إلى المنافسة.. ولهذا الأمل مات الناس فى الشوارع، ماتوا لترحل حكومات الحزب الوطنى الضعيفة الهشة.. وينزاح المسوفون التافهون «الإمعات».. ماتوا لتتحسن مصر.
أقول ذلك لأن الحراك الإنمائى فى وزارة النقل كمثال على ما يجرى فى الوزارات متوقف تماما، وخذ عندك موضوع واحد فى منطقة ضمن عشرات المناطق المختصة بإعلانات الطرق.. الدولة تطالب المستثمرين بتفعيل نشاطهم، والوزارة متوقفة وعاجزة، ومترددة.
منذ عام أو أكثر تقريبا توقفت تراخيص «الأوت دور» فى الشوارع، وهو لمن لا يعرف مصدر الدخل السنوى المتزايد لهيئة الطرق، وتصل مدخولات ذلك القطاع إلى مئات الملايين سنويا، وتوزع بين الهيئة ووزارة المالية بنسبة 60% للهيئة و40% للمالية وتستخدم فى إصلاح الطرق، وإصلاح أحوال الموظفين.
بداية الموضوع كانت اتهامات متبادلة بالانحرافات بين موظفى القطاع، تم على أثرها تغيير ثلاثة مديرى عموم خلال أقل من 7 شهور.. كل مدير يأتى 3 شهور يدرس الملفات من جديد والشركات تموت انتظارا، والتحصيل متوقف تماما، ويتردد المدير خوفا من ملاحقات واتهامات مرؤوسيه، وقبل أن يتخذ قرارا يتم تغييره لتبدأ الدورة من جديد.
ولحل الأزمة تم الاتفاق على لجنة للبت فى الطلبات، استبشر الجميع خيرا.. لكن اللجنة لا تنعقد.. وإن انعقدت لا تتخذ قرارا.. والأوضاع مجمدة.. والمصروفات تتزايد.. والهيئة ترفض تحصيل ملايينها المكدسة لدى الشركات لأنه لا يوجد واحد لاتخاذ القرارات.
الأمر لا يحتاج إلى قرارات جديدة.. لدى الهيئة أوضاع مستقرة منذ سنوات طويلة.. ولديها لائحة واضحة للإعلانات.. والأسعار ارتفعت وفق اللائحة أكثر من 20 مرة.. واستمرت فى الارتفاع حتى أكثر من 3000% من قيمتها فى اللائحة خلال 3 سنوات والشركات راضية، ثم تم الاهتداء إلى أعمال قانون المناقصات والمزايدات، ما يعنى خروج كل الشركات الصغيرة والدخول فى احتكارات ضارة.. ما شاع لدى الجميع أن رجال الأعمال المرضى عنهم فى جماعة الإخوان المسلمين مرشحون لنهب «الكعكة» كاملة.. وهى شائعات ضارة تعيدنا إلى أيام المخلوع وولديه ورجاله.
ما حقيقة الأمر.. هل صحيح أن «عزا» إخوانيا سوف يظهر من تحت الأرض؟ وما مصير الشركات الصغيرة؟ ولماذا؟ الإيرادات المتعطلة عن التحصيل فى هيئة الطرق تعنى أن مالا عاما يهدر لأن موظفا مرتعشا وضعيفا وعلى رأسه «بطحة» لا يجرؤ على اتخاذ القرار.. أو لأن جماعة اقتنصت السلطة وقررت توزيع الأنصبة والاستثمارات على رجالها وحدهم.
لم نستبدل عصابة مبارك لنسقط فى براثن «عصابات جديدة».. ولم نحاكم «عز» والاحتكاريين لنسلمها إلى احتكاريين جدد.. الناس تحتاج لطمأنة.. والأمر بسيط.. بعض المناطق تعمل، وبعضها متوقف.. ويمكن أن يعمل الجميع بأى طريقة.. غير أن نفتح الباب لترويع الشركات الصغيرة.. نحن فى حاجة ماسة وشديدة لكل فرصة عمل.. ولا نقدر على تحمل تبعات إفلاس أى مشروع، لأنه يعنى ببساطة مزيدا من العاطلين.
الهيئة يا معالى الوزير إن كنت لا تعلم تدار بألف طريقة.. المحور والدائرى متوقف.. والمناطق الأخرى تعمل.. والشركات التى «زهقت» بدأت العمل بمنطق «هنشتغل دون تصاريح».. وحق الدولة ضائع.. والغالب من أصحاب النفوذ يفعل ما يحلو له.. أموال مهدرة.. وضائعة، وتائهة، والخراب المستعجل يطارد الملتزمين.