دبلوماسية اللقاحات والتغيرات الجيوسياسية في العالم
إن فيروس كورونا قد يؤدي مع استمراره إلي ما هو أكثر من الموت، تغيرات جيوسياسية، مراجعات أيدولوجية، تحالفات عقابية لصالح من يبادر بمساعدة الدول المتضررة ردًا علي تخاذل دول أخري، وما هو أكثر من ذلك لو استمر الوضع لسنوات مقبلة، ويمكننا أن نسرد سريعًا أبرز ما استطاعت كورونا أن تنجزه في هذا العالم.
أولًا.. تراجع السوق الحر في مقابل تدخل الدولة في الاقتصاد.
أثبت الوباء بما لا يدع مجالًا للشك انتصار النموذج الكينزي الذي يؤيد ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد خاصة في أوقات الأزمات، ولن أكون كاذبًا أو مدعيًا لو قلت انتصار النموذج الشمولي في احتواء الوباء لأكون أكثر دقة، هذا النموذج الذي يسمح للدولة بسرعة الحشد والتعبئة والتحكم في وسائل الإنتاج وتوجيه السوق مما يسمح بقدر من المرونة في التعامل مع التحديات، وحتي لا أكون في مرمي النيران الليبرالية أو حلال الدم عند أتباع آدم سميث، فها هي أمريكا بذاتها تعترف عبر توجهاتها الجديدة بفشلها في ترك السوق يعالج نفسه تحت شعار "دعه يعمل دعه يمر"، منذ أن قامت بضخ تريليونات الدولارات في الأسواق لدعم الشركات المتضررة من جراء أزمة كورونا، ومنذ أعلنت بدء قيامها بتوطين صناعة أشباه الموصلات والتدخل في السوق عبر دعم هذه الشركات. كل هذا يؤدي مع الوقت لفقدان الثقة فى النموذج الرأسمالي المثالي الذي تبنته أمريكا علي مدار عقودها السابقة، كما يؤدي في الوقت ذاته لزيادة شعبية الصين وغيرها من البلدان التي تستطيع تحقيق تقدم هائل واحتواء الأزمات بسرعة ليس لها مثيل في البلدان الغربية. وحريٌ بذلك أن يحدث تغيرًا جيوسياسيًا لصالح الصين بمرور السنوات، فالأمر يبدأ بالتشكيك في قدرة النموذج الأمريكي علي مواكبة التحديات، ومن ثم تبدأ الدول في تغيير وجهتها.
ثانيًا.. التخاذل الأمريكي عن العالم في مقابل الدعم الصيني.
مع بداية الوباء التفت العالم بأسره إلي الولايات المتحدة والدول الأوروبية، واضعًا يديه علي خده ومنتظرًا اللقاحات التي سوف تغدقها هذه الدول عليه من منطلق ريادتها للعالم ودفاعها عن حقوق الإنسان وحربها ضد القوميات والحدود لصالح النموذج العالمي الواحد الذي تؤسسه، وبينما تنتظر الدول النامية، فإذ بهذه البلاد تقوم بتصنيع اللقاحات ثم لا تصدر منها خارج حدودها بالكميات المتوقعة والتي تتناسب مع حجمها، باستثناء الدول الحليفة لها كإسرائيل مثلًا، وما دونها لم يحصل إلا علي عدد قليل جداً من اللقاحات لو حدث ذلك، ثم لم تسمح هذه الدول الرائدة بتصنيع لقاحها في بلاد أخري تحتاج ذلك، للحفاظ على حقوق الملكية الفكرية، ولذلك فإن النموذج الغربي يصبح منبوذًا شيئًا فشيئًا لوقوعه فى كثير من التناقضات بين النظريات والتطبيقات، بينما قامت الصين والتي يقال بأنها الشر المطلق علي هذا العالم بتصدير اللقاحات إلي مائة دولة وبأسعار رخيصة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلي تغييرات جيوسياسية بكل تأكيد.
ثالثًا.. فشل الدول التي راهنت عليها الولايات المتحدة ونجاح الدول التي تراهن عليها الصين وروسيا.
إن الهند التي كانت تمثل اليد الأمريكية في آسيا في الموجات السابقة من كورونا، والتي كان يعول عليها في نشر اللقاحات لتقويض جهود الصين، أصبحت هي الأخري تحت العناية الإلهية تنتظر من يقدم لها يد العون، دون أن تسرع أمريكا بمساعدتها أيضًا، مما يثبت تخلي هذا النموذج الأمريكي عن حلفاءه وليس عن الدول النامية وفقط، وعلي النفيض فإن الصين وروسيا تقوما بتوزيع اللقاحات بسرعة شديدة وتشاركا بعض الدول التي حققت نجاحًا في تصنيع اللقاحات علي أراضيها دون أي تعقيدات غربية تتعلق بحقوق الملكية أو تفضيل مصلحة شعوبها أولًا وغيرها من الحجج الواهية التي لا تتناسب مع قدر هذه الدول ومسؤولياتها.
لقد قامت الهند في الفترات السابقة بتوفير اللقاحات للأورغواي بناءً على طلب تايوان، في الوقت الذي كانت الصين فيه علي مقربة من ممارسة الضغط على الأورغواي ومدها باللقاح في مقابل عدم اعترافها بتايوان كبلد مستقل، وبذلك لعبت الهند دورًا أمريكيًا مهمًا سوف يتقلص لصالح الصين في الفترات المقبلة.
رابعًا.. تجاهل أمريكا التأثير الجيوسياسي للقاحات كورونا.
ذكرت العديد من وسائل الإعلام في الفترات السابقة عن استخدام الصين اللقاح بطريقة دبلوماسية تشترط فيها علي الدول بعض التنازلات السياسية، وبغض النظر عن وجود محاولة لشيطنة اللقاحات الصينية، إلا أنها ستظل الخيار الوحيد للدول التي تخلت عنها أمريكا، ولكل شئ هدف سياسي، فبالتأكيد إذا قررت الولايات المتحدة توزيع اللقاحات، فإن لذلك هدف سياسي أيضًا.
وليس خفيًا أن الصين تقدمت في لعبة الشطرنج هذه المرة وحتي الآن، فعلي سبيل المثال، ما يقال حول الصفقات الخفية بأن الصين اشترطت علي البرازيل توصيل تكنولوجيا ال 5Gإلي أراضيها في مقابل تزويدها باللقاح، ومن المتوقع بشكل عام أن تنعكس دبلوماسية اللقاحات الصينية بشكل إيجابي علي مستقبلها الجيوسياسي، بينما تأخرت أمريكا والاتحاد الأوروبي كثيرًا في استخدام هذه الدبلوماسية.
خامسًا.. إسرائيل هي الأخرى تحاول استخدام اللقاحات.
لقد قامت إسرائيل باستيراد اللقاحات الغربية بشكل سريع بدلًا من الاعتماد على انتظار تصنيعها، لكنها الآن بدأت في الترويج لتصدير اللقاحات لبعض الدول مثل التشيك وغواتيمالا مقابل نقل سفارتهما إلي القدس، ويبدو أن دولة الاحتلال أعجبها كثيرًا دبلوماسية اللقاحات وبدأت في الإعداد لاستخدامها في شرعنة الاحتلال.
إن العالم سوف يتغير كثيرًا بعد هذا الوباء، فكما أن التسليح أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها قد شكل تكتلات جيوسياسية، فإن اللقاحات تتولى زمام التغيير هذه المرة، ولابد ان تكون لمصرنا يد في صناعة هذه التغيرات، وهذا ما أثق به بعد توطيننا لصناعة عدة لقاحات سوف تشكل فارقًا كبيرًا في وضعنا الإقليمي.
أحمد صابر
عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين