٣٠ يونيو.. البدايات والتحولات (٣)

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

يظن بعض ممن شاركوا فى تحالف ثورة ٣٠ يونيو أن المرحلة الانتقالية -الضرورية- التى أعقبت الثورة قد انتهت، خاصة ونحن نحتفل بمرور ٨ سنوات على قيامها، وهو ما يتناقض مع كل الشواهد التى تؤكد أن تلك المرحلة الانتقالية ما زالت قائمة ربما لفترة مقبلة لا يستطيع أحد تحديدها بدقة، بسبب ما تتسم به من درجة عالية من التعقيد والتناقض، وما تحمله من مخاطر وتحديات داخلية وإقليمية ودولية.

وإن كانت الثورة قد بدأت بتحالف محدِّداً هدفه بدقة ووضوح، وتآكل ذلك التحالف بعد نجاحها، إلا أن المرحلة الانتقالية بعد كثير من التحولات -الداخلية والخارجية- تحتاج تحالفاً آخر يتفق مع طبيعتها ويدعمها لتحقيق مهامها.

التحالف المطلوب لا يمكن اختزاله فى الأحزاب والقوى السياسية فقط، بل يجب أن يضم فى طياته قوى اجتماعية وثقافية أخرى تضع أمامها حدوداً للحركة لا يمكن القفز عليها، وتطرح مهام لا يجب تجاهلها أو التغاضى عنها أو التهرب من بذل أية جهود لتحقيقها.

المراحل الانتقالية -بطبيعتها- تطرح مهامها على القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية القادرة على تحقيق هذه المهام، كلها أو بعضها، والمرحلة الانتقالية التى ما زلنا نعيشها حتى اللحظة تفرض وتضيف أعباءً جديدة على هذه القوى السياسية والاجتماعية بضرورة مواجهتها فى إطار فهم سياسى عام لا يقف أمام اختلاف المنطلقات والتوجهات الفكرية والثقافية، ولا تعوقه الانتماءات والانحيازات الاجتماعية والطبقية أو المصالح الاقتصادية، ومهما تعددت وتنوعت مواقعها السياسية فى الحكم أو فى المعارضة.

ذلك أن التوجهات السياسية الرئيسية لمواجهة أوضاع المرحلة الانتقالية الراهنة، ومواجهة تحدياتها، وحل تناقضاتها، تتطلب قدراً من العمل المشترك بين العديد من القوى الوطنية والتقدمية، اليسارية والليبرالية، ليس بهدف الحفاظ على وحدة وسلامة الدولة الوطنية فقط؛ والحفاظ على وحدة وسلامة المجتمع المصرى وحمايته من التفتيت فقط، بل بهدف استكمال بناء الدولة الوطنية المصرية وتطويرها كدولة مدنية ديمقراطية حديثة.. دولة للقانون والمواطنة، وكذلك بناء المجتمع المصرى مجتمعاً للحداثة والتنوير، وبناء الثقافة المصرية كثقافة ديمقراطية عقلانية تعلى من قيم العقل والعلم ودورهما، والقضاء على بقايا علاقات ما قبل الحداثة، وعلاقات التمييز والطائفية والتخلف، والصراعات القبلية والمذهبية، واستئصال بقايا الطائفية المتسترة بالدين، كمقدمة ضرورية للانتقال إلى مجتمع جديد يقوم على قواعد التنمية الاقتصادية المستدامة والمستقلة بالضرورة.

وعلى ذلك فإن الطابع السياسى الوطنى الديمقراطى، والطابع التحديثى، هو الطابع الأساسى للمرحلة الانتقالية الراهنة ومهامها، التى تتطلب بناء كتلة شعبية واسعة، تنتظم قواها فى جبهة وطنية متعددة القوى المدنية للنضال والعمل معاً من أجل إنجاز مهام هذه المرحلة.. مهام التصدى لمخاطر وتحديات هدم الدولة الوطنية، ومهام استكمال بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وما يرتبط بها من مهام عاجلة وملحة فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وأما عن التحديات الخارجية التى تواجه مصر، فالحديث عنها قد لا يضيف جديداً مع المتابعات اليومية للأحداث عبر وسائل الإعلام على تنوعها.

تحديات المرحلة الانتقالية تقتضى الوعى الكامل بمجمل ظروفها الراهنة، وأن نذكر أنفسنا دائماً أن نجاح الثورة فى إقصاء الجماعة الإرهابية عن الحكم له ما بعده.