الله أكبر.. استشعرها

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

ليست مجرد كلمة تتكرر فى مضمون الأذان والصلوات خمس مرات فى يومنا، ولا مجرد تعبير يتردد على ألسنة العامة حينما يرون الخوارق أو تخطى الصعاب، ولكنها لمن يدرك حالة من إدراك الذات وحجمها، والاحتماء بالمعنى المقرون بجلال الله، والتسليم لخالق كان رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. رغم ما أصابها من إساءة على يد من تاجروا بالدين فجعلوها هتافاً لتجمعاتهم ومديحاً لأقوال تجارهم حينما يهتفون بلزاجة: «تكبير»، وزاد من الإساءة لها فريق آخر حينما جعلوها افتتاحية قتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، فباتت مقرونة بإرهاب ميليشيات ممولة من صهاينة العالم على اختلاف مللهم ونحلهم.

ولكن تبقى «الله أكبر» حالة علينا استشعارها...

الله أكبر.. استشعرها بقلبك لتتغلب على هوى ذاتك وطغيان نفسك. فتدرك أن الحقيقة الدامغة لم تُخلق فى الدنيا، وأن خالق الكون وخالقنا احتفظ بها لنفسه ليحكم بيننا يوم نجتمع عنده فيما كنا نختلف فيه. واسعَ لفهم وبحث وإدراك لتتحصل على بعض ما يعينك على الحياة بإنسانية، فلا تحكم بهوى ذاتك ولا بانتماءاتك، ولكن بوعيك وما تحصلت عليه من حقيقة، لتعامل الناس بمحبة وإدراك لحجمك الذى لا يُرى فى الحياة، بلا تعالٍ أو ابتذال أو إهانة.

الله أكبر.. اجعلها نصب عينيك أمام كل مدعى قدسية أو احتكار لدين أو متاجر به وبك. اعلم أن الله الذى هو أكبر لم يمنح أحداً من خلقه عصمة الوقوع فى الخطأ فجعلنا بشراً نخطئ ونصيب، ننجح ونفشل، يهتدى البعض منا ويضل آخرون، ولكنه جعل لكل منا عقلاً هو الأمانة التى حملناها وعليها يكون حسابنا. فلا تسلم عقلك لمن يدعى أنه الأكثر فهماً أو الأكبر علماً وأن لحمه مسموم إن عارضته. فكم من مُسممٍ منحنا التغييب والتطرف والإرهاب باسم الدين، لينشر بيننا عقولاً مسمومة بأفكارها وسلوكها تردد بلا وعى ولا قلب: «الله أكبر»!

الله أكبر.. هى عماد الحب لله والتسليم له والاستسلام لقدره ومشيئته. استشعرها وأنت تردد كلمات الأذان، وأنت واقف بين يديه فى كل صلاة، وأنت خائف من شىء ما، لتدرك تأثير الكلمة فى الكون الذى يظن البعض جهلاً من أهل الأرض أنه بات قادراً عليه، فإن كان الكون لا يرتقى لكلمة الله أكبر، فما بالك بمنتفخ بنفوذ أو محتمٍ بمال أو بمسيطر بما ملك من أدوات علم، لم يدرك أن ما أصابه من مكانة أو ثروة أو فهم مقرون بسلطان إرادة الله؟

الله أكبر.. قلها بقلبك لا بلسانك، وثّقها بفعلك لا بحروفك، فهى لا تختص بأهل عقيدة ولكنها منحة الله للبشر لو أدركوا، لتعلم أن الحياة مهما طالت قصيرة، ومهما عشت فيها فإنك مجرد عابر سبيل، ومهما تعددت ملامح أيامك فيها فهى مجرد ممر لن يحمل سوى ذكريات فعلك وبصمات أصابعك على وجه الكون، ثم سرعان ما ستترك كل ذلك كما تركه غيرك وترحل بما أعددته لحقيبة أخراك.

الله أكبر.. استشعرها لترفض من أساءوا لها عمداً وجهلاً فتكون أنت من يزيح عنها الإساءة، استشعرها لتكون منارة الأيام الصعبة الحزينة فتمنحك السكينة والتسليم، استشعرها ورددها بقلبك وعقلك وسكونك وحركتك..

فالله أكبر