«جرجوب».. أمن قومي ودرع في يد الوطن

لا ظل من ريب فى هذه النقلة النوعية والوثبة الحضارية التى تشهدها مصر على المستويات كافة، وكأنها تقول للعالم أجمع: هنا بدأ التاريخ ميلاده، وهنا أينع فصار للحياة معنى.. تلك النقلة التى احتاجت إلى تضحيات جمة وإخلاص لا يتوفر كثيراً إلا فى أبناء شعب يعرفون حجم وطنهم وقوة وتأثير بلادهم، شعب جاء منهم قائد يعرف، بالضرورة وبالمسئولية وبالإيمان، قيمة هذا الوطن، وقدر هؤلاء الأبناء، فاتحدت الأيدى، وتوحدت الكلمة، واتضح المسار نحو البناء. ولأن بناء الأوطان دائماً بحاجة إلى درع يحمى وقوة رشيدة تؤمِّن مسيرة العمل، فلا يخفى على أحد حقيقة أهمية الجيش والمؤسسة العسكرية، حيث تلعب الدور المحورى الأبرز والأهم فى حماية مقدَّرات البلاد من جميع أشكال وصور وأطياف التهديدات، وتدفع عنها كل شر أو مجرد تفكير فى أذى ما بقيت الحياة، ومن ثم لم يكن تقديراً جزافياً أن تقاس قوة الدول بمستوى وقدرات قواتها المسلحة.

وقد نجح الرئيس السيسى، على مدار سبع سنوات، فى أن تحقق مصر المعادلة الصعبة فى التسليح، وعمل بالتوازى مع البناء الداخلى لمسارات الحياة الاجتماعية والاقتصادية على تحديث المنظومة العسكرية بكل أنواعها، وسعى بكل قوة إلى تعزيز تسليح الجيش المصرى بأسلحة متطورة ومتنوعة ما بين أسلحة دفاع جوى وبرى وبحرى، كما عمل على تنويع مصادر هذا السلاح، مما أسهم بجدارة فى وضع مصر وجيشها بمكانة عالمية متقدمة ضمن تصنيفات الجيوش حول العالم، حيث جاءت القوات المسلحة المصرية فى مقدمة الجيوش العربية والأفريقية والشرق أوسطية.

وفى سياق المنظومة البحرية، صار تسليح البحرية المصرية مواكباً للتطورات الحديثة للتسليح، فى مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، والرد العملى لأى تهديد ولتنامى الإرهاب فى المنطقة، حتى شهدنا قاعدة «3 يوليو» بمنطقة جرجوب على الساحل الشمالى الغربى لمصر، التى افتتحها القائد الهمام فى إطار احتفالات مصر بذكرى ثورة 30 يونيو، لتمثل أحدث صورة دالة على هذا التأمين الشامل لمقدَّرات الوطن، ولتفرض مصر كلمتها على حدودها البحرية، بعد أن انضمت «جرجوب» إلى منظومة القواعد البحرية المصرية، لتكون نقاط ارتكاز ومراكز انطلاق للدعم اللوجيستى للقوات المصرية فى البحرين الأحمر والمتوسط، ولمجابهة أى تحديات ومخاطر بالمنطقة.

وبنظرة متفحصة إلى أهمية هذه القاعدة، وكما اتضح، فإنها تختص بتأمين البلاد فى الاتجاه الاستراتيجى الشمالى والغربى، وصون مقدَّراتها الاقتصادية وتأمين خطوط النقل البحرية والمحافظة على الأمن البحرى باستخدام المجموعات القتالية من الوحدات السطحية والغواصات والمجهود الجوى، لتشكل إضافة جديدة ومهمة لمنظومة القواعد البحرية المصرية، خصوصاً مع تزايد التحديات التى تواجه الأمن القومى المصرى والعربى، والتى تأتى الجماعات الإرهابية والمرتزقة والهجرة غير الشرعية فى مقدمتها، وكذلك لتعزيز الأمن البحرى وثروات البحرين الأحمر والمتوسط، فالقاعدة المطلة على البحر المتوسط تأتى فى السياق المتعلق بخطة التطوير الشاملة للقوات البحرية والقوات المسلحة المصرية عموماً، خصوصاً أنها على بُعد 70 كيلومتراً فقط تقريباً من الحدود الغربية بين مصر وليبيا، ومن ثم فإن افتتاحها يُعد دعماً قوياً لقدرات الدولة المصرية نحو تحقيق الأمن القومى المصرى والعربى معاً.

أما ما يمكن قراءته من افتتاح هذه القاعدة التى تُعد فخراً ونبراساً ناصعاً فى جبين الوطن وقيمة مضافة إلى مكتسبات أمنه وأمانه، فهو أنها بمثابة رسالة ردع جديدة موجهة من مصر لكل من يفكر مجرد تفكير أو تسول له نفسه المساس بالأمن القومى المصرى، كما أنها دال واضح يؤكد الهيمنة المصرية الكاملة على سواحلها ومياهها الاقتصادية الخالصة، فى وجود الثروات البحرية التى يستوجب تأمينها بأعلى مستويات الكفاءة والقدرة القتالية، لذا فقد تضمنت المزيد من قدرات الردع والتأمين للركائز والثروات المصرية فى البحر المتوسط، وتوفير الدعم اللوجيستى الكامل ومتطلبات تنفيذ أى مهام قد توكل للقوات البحرية وغيرها من القوات فى إطار التكامل والتعاون بين الأفرع الرئيسية المختلفة للجيش المصرى، ومن المبشر حقاً الاتجاه نحو تدشين أول محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بالقرب من موقع قاعدة 3 يوليو، وبالتالى فإن تأمين تلك القاعدة من الجهة البحرية سيكون قطعاً من أهم مهامها، إضافة إلى مكافحة أنشطة الهجرة غير الشرعية وأعمال التهريب عن طريق البحر التى تعانى منها بلدان العالم، الأمر الذى يدعم أمن مصر القومى، ويحول دون محاولات أى أطراف العبث به من جهة البحر، فضلاً عن تأمين المصالح الاقتصادية مثل حقل ظهر واستثمارات واكتشافات الغاز الطبيعى، وكذا حماية المضايق البحرية فى باب المندب، والقضاء على أعمال القرصنة البحرية وحماية وتأمين خطوط المواصلات، فضلاً عن سهولة عمليات البحث والإنقاذ حال وقوع حوادث غرق أو حدوث كوارث بحرية، مع القيام بعمليات البحث والإنقاذ لمساعدة الدول العربية والشقيقة.

وتنضم قاعدة 3 يوليو بمنطقة جرجوب على الساحل الشمالى الغربى لمصر إلى قواعد عسكرية تمت إقامتها مثل قاعدة محمد نجيب العسكرية وقاعدة برنيس، لتكون درعاً واقية جديداً فى منظومة القوات المسلحة المصرية، ولمواجهة أى تحديات محتملة قبل حدوثها، فالأمن القومى يتطلب استباق أى حدث بتجهيز قوة الردع له.

إنها المسئولية والإحساس الأصيل بها والإخلاص لوطن يستحق الفداء والإخلاص والعمل، وقبل كل ذلك التوكل على الله الذى يحمى مصر فى كل حين، تأتى هذه القاعدة، وكما جاء فى وثيقة افتتاحها التى وقعها القائد الشجاع «استكمالاً لمسيرة تعزيز ركائز الأمن القومى المصرى على كافة الاتجاهات الاستراتيجية، ومتوكلاً على الله سبحانه وتعالى».