«حمو» وأحفاد «الست فضة»
فى تسعينات القرن الماضى، قدم الغائب الحاضر عمّنا أسامة أنور عكاشة رائعته الدرامية «الراية البيضا» الشهيرة باسم بطلتها «فضة المعداوى». قدم المسلسل -المُفعم بالغوص فى ما آل إليه حال المجتمع المصرى- تجسيداً لصراع الجهل والعلم، المال والستر، النفوذ والحكمة، الاجتهاد والفهلوة، الشبع والطمع، الهوية والبيع. معركة دارت تفاصيلها بين فريقين يقود أحدهما السفير مفيد أبوالغار، وتقود الآخر المعلمة فضة المعداوى.
كانت «فضة» نموذجاً لكل جشع الرأسمال السهل الذى لم يتعب أصحابه فى تحقيقه فصاروا كابوساً فى الحياة لا يحترمون أحداً إلا إذا كان أكثر منهم مالاً ونفوذاً، ومن عدا ذلك فعليه الركوع والاستسلام لهم. وكان «أبوالغار» نموذجاً لكل الطبقة الوسطى بكل شرائحها المقاومة لطغيان المال والجهل والفساد. واندمجنا مع المسلسل، وعايشنا تفاصيله، ولم تمحُها سنوات العمر الماضية، لأن كلاً منا توحّد مع مشاهده، ووجد أحدها معبراً عن لقطة من لقطات الحياة التى مر بها.
اليوم تذكرت فضة المعداوى وأنا أتابع عبر صفحات الحوادث وفيديوهات القنوات تعديات أحد أحفاد فضة المعداوى ويُدعى «حمو وبيكا» -وكنت أظنه فى ما مضى اسم شخصين لا شخص واحد- تارة وهو يتشاجر مع بعض المواطنين فى الساحل، وأخرى وهو يحطم سيارة أحدهم، ومرة وهو يتهجّم على نقابة الموسيقيين لمنعه من الغناء، وتهديده بتحطيمها إن لم يمنحوه تصريحاً! كل هذا دون أن أقرأ خبراً عن محضر ضد السيد «حمو وبيكا»، أو خبراً عن إلقاء القبض عليه لممارسته البلطجة، بل على العكس كل ما يُقرأ عنه من أخبار لا يتناول إلا حفلاته وأفراحه التى يغنى بها وسط التفاف جماهيرى منقطع النظير! يا سنة سوخة يا ولاد!
ثم كان خبر نُشر مؤخراً للسيد «حمو وبيكا» عن تعرّضه لضابط مرور فى الإسكندرية حينما حرّر ضده الأخير مخالفة مرورية لتركه السيارة الفارهة -التى غلبت تمساحة فضة المعداوى- فى مكان يُمنع فيه ترك السيارات، فما كان من «حمو وبيكا» إلا أن قال للضابط مقولة كل مُعانٍ من النقص مُبرر للفساد: «انت عارف انت بتكلم مين»؟! فما كان من الضابط إلا أن أصر على تحرير المخالفة وكلبشة السيارة، وحينما فحص الرخص وجد بها الكثير من المخالفات التى تستدعى التحقيق معه وفقاً لقانون المرور ومعاقبته بالسجن إن صح المنشور.
وللحق فالأزمة ليست أزمة «حمو وبيكا» وحده فى ما نعانى منه من سلوكيات أحفاد «فضة»، ولكنها أزمة كل ناقص تربية وتعليم واحترام وفهم ووعى، بغض النظر عن المستوى الاجتماعى أو العلمى. ربما يقول قائل هكذا هم من يمتلكون المال فيعبثون فى الحياة دون رادع، فأرد عليهم لأقول إن هناك فقراء تفوقوا فى تجاوزاتهم من يمتلكون المال، وكم من غنى محترم، وإن المرجعية هى التربية فى بيوت الأصول. فالقضية ليست غنى وفقر الفلوس، ولكنها غنى وفقر النفوس. وما يهذب النفوس الفقيرة هو التربية فى البيوت، فإن فات البيوت ذلك المسلك الإنسانى العظيم، يقوم القانون بدور المُربى والمُصلح الاجتماعى لمن فاتته تربية الأهل، حتى لا يتمادى أحفاد «فضة»، فنواصل الصراع مع الجهل والفساد والاستهتار حينما تقترن بالثراء السهل.