أفغانستان وحصار الكبار
غافل من لا يقرأ التاريخ.. تذكر ذلك وأنت تتابع مشاهد ذبح أفغانستان على يد كل ميليشيات التأسلم التى مكَّنتها واشنطن طيلة عقود، ليتحول ذلك البلد مجدداً إلى قِبلة لكل متطرفى العالم.
أفغانستان مرة أخرى.. تعود كنقطة بداية كما حدث عام 1979 حينما اندفعت قوات الاتحاد السوفيتى مجبرة إليها لدعم حكومة كابول الموالية لها، ترددت موسكو فى التدخل فى البداية، ولكنها استسلمت فى النهاية لضغوط الحكومة الأفغانية وأرسلت جيشها، ولكن وكما يقول العالمون بقواعد العسكرية: من السهل أن تبدأ حرباً ولكن من الصعب أن تنهيها، وبخاصة إذا كان عدوك من سعى لتوريطك فيها لتغرس فى رمالها حتى رأسك. كانت واشنطن تنتظر التدخل السوفيتى فى أفغانستان للقضاء على عدوها الأحمر. أعلن الرئيس الأمريكى فى خطاب مسجل تليفزيونياً أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدى أمام الغزو السوفيتى الكافر الملحد لبلد مسلم. فى ذات الوقت الذى زار فيه مستشاره للأمن القومى بيرجينسيكى تجمعات المقاتلين الأفغان الذين سموهم «مجاهدين» واعداً إياهم بنصر الله القريب لهم!
وهكذا تحولت أفغانستان إلى قبلة لكل واهم ومخدوع فى أن ما يدور على أرضها حرب بين الإسلام والشيوعية، وباتفاق مع الإخوان المسلمين وملالى إيران، وقبول عربى -للأسف- سمح بخروج المتطرفين من على أرضه للخلاص منهم للجهاد فى أفغانستان، خُلقت قوات المقاتلين المدعومة من واشنطن بالمال والسلاح والمخابرات، واستنزفت أمريكا الاتحاد السوفيتى وقدراته حتى أضحت أفغانستان أكبر مسمار فى نعشه حتى سقط عام 1991.
مرة أخرى تستخدم واشنطن ورقة أفغانستان، فبعد غزوها لها أعقاب هجمات 11/9 بدعوى القضاء على الإرهاب وميليشياته، وعلى رأسها القاعدة وطالبان.. واستقرارها بها كشوكة فى حلق روسيا والصين على مدار 20 سنة مع قوات الناتو، أعلنت واشنطن سحب قواتها من أفغانستان مرة واحدة بل وتركت قواعد ومخازن سلاحها لطالبان! ثم توالت التصريحات الأمريكية عن رفضها للمواجهات بين طالبان والجيش الأفغانى وسيطرة الحركة على غالبية المدن الأفغانية واضطرارها لمحاربة طالبان بطائرات بدون طيار، بعد أن كانت قد وقَّعت معها معاهدة سلام فى 2018 بوساطة قطرية.
اليوم فى ظل تفتت العراق وسوريا واحتلال إيران وتركيا لأجزاء منهما، ووجود روسيا فى سوريا وليبيا وحضورها فى المشهد السياسى العربى المتأزم فى لبنان واليمن وليبيا، وفى ظل شد الأطراف بين واشنطن وموسكو فى أكثر من ملف، وتعنت التنين الصينى وعناده الاقتصادى والسياسى فى الكثير من الملفات، كان لا بد من عودة ورقة أفغانستان مجدداً للضغط على كل هؤلاء، ولتصدير الأزمات لكل الدول التى خططت واشنطن منذ سنوات لإخضاعها بالفوضى.
نعم.. التاريخ يقول إن أفغانستان كانت على مدار 40 سنة مقراً للإرهاب وصانعيه تحت راية الدين زوراً، حدث هذا تحت مظلة المساعدة الأمريكية أولاً ثم الغزو الأمريكى ثانياً، فماذا وأمريكا غير موجودة على الأرض، ولو ظاهرياً؟ السؤال الأهم: هل ما يحدث سيناريو لتمدد الفوضى والإرهاب وحسب، أم سيناريو لمزيد من تساقط الدول؟
ربما يظن البعض أن ما يحدث لن يضر إلا الشرق الأوسط ودوله، لكنه -فى رأيى المتواضع- دورة جديدة لمزيد من الإرهاب حول العالم، ولا عزاء للأبرياء.