عندما تطأ قدماك أرض فينيسيا تجد نفسك في قلب عالم آخر، محاطا بالمياه من كل جانب منفصلا عن أجزاء إيطاليا، قنوات المياه في شوارعها الرئيسية تصل لعمق ستة أمتار، سكانها تأقلموا على العيش في مياهها الساحرة، لكنه السحر الذي قد ينقلب إلى موت محقق.
بالرغم من أن القوارب والجندول تنتشر في ربوعها لتسهيل الحركة، فإن السير على طرقاتها اليابسة محاط بالخطر، خوفا من أن تغمرك المياه الساكنة في باطنها في برهة.
فينيسيا.. أجمل قطعة في أوروبا مهددة بخطر الاختفاء بين ليلة وضحاها، فالبحر الأدرياتيكي يحيط أطرافها ليغمر قنوات الوصول إليها، فضلا عن الأمطار التي تهطل كالسيل ممتزجة بقطع الثلج القاتل، المباني تآكلت بغزو المياه المالحة، واكتست بالاسود عند الجزء الغامر في المياه، وأزيل طلاؤها الأمامي ليكشف عن وجه الزمن المحفور في تلك المباني العتيقة، ومع رفض الحكومة الشديد لأي عملية ترميم حفاظا على ذلك الأثر النادر، تبقى المدينة الجميلة مهددة بخطر السقوط.
تظهر جزيرة صغيرة وسط البحر الأدرياتيكي تشبه المباني الصغيرة المتلاصقة بعضها مع بعض، عندما تسير بالجندول متأملا الجمال الساحر بفينيسيا تشعر أن الموتى قصدوها ليستريحوا وسط المياه في هدوء وسلام بعيدا عن صخب المدينة الغارقة في أحلامها المهددة بالفناء، فعندما يموت أحد الأشخاص يدفن في جزيرة بعيدة عن السكان وسط البحر، لعدم وجود أرض ترابية يعود إليها المتوفى كمثوى أخير له.
"كم هي حزينة فينيسيا .. اختفى منها الحب ولم تعد الدموع كافية، بقي بحار قارب الجندول وحده ينظر إليك".. بتلك الكلمات الحزينة تغني شارل أزنافور على المدينة الجميلة التي جذبت سياح الأرض كلها، لكن لازال خطر الغرق يهدد جمالها الساحر.
تعج المدينة بحركة الزوار بشكل يفوق الوصف، وتتخبط الأكتاف ببعضها عند السير لكثرة الزحام في شوارعها المتعرجة والضيقة أحيانا، لتشعر للحظة أنك تسير في منطقة "خان الخليلي" حيث تشتهر "البندقية" ببيع البهارات والبخور والعطور كما كانت في عهدها السابق.
مطاعم البيتزا والمكرونة ومحال بيع الأقنعة والملابس التنكرية تنتشر بشكل هائل في بلد الكرنفالات، فيتهافت الزوار على الشراء والوجوه تعتليها الابتسامة عند تصوير المناظر الساحرة، لتسجيل لحظات تاريخية في قلب فينيسيا. كنوز معمارية في كل مكان، مبان ضخمة تشبه المعابد الرومانية تنتشر بها تماثيل في كل جانب منها، كأنها تعيش الأسطورة التاريخية، أو كأنك في قلب فيلم يجسد فترة الإمبراطورية الرومانية بمعمارها الخلاب.
أكثر من 300 كنيسة بطابع روماني في أبهى شكلها الجرانيتي المعماري، تتوسطها ساحة القديس مرقس والمسماة بقصر الحاكم لترسم لوحة فنية لا يدركها العقل، حيث الطابع البيزنطي في كل جانب تتحرك فيه، كأن تماثيلها تنتقل من مكانها وتتراقص في الهواء وتطير في الفضاء الفسيح لترجع ثانية لمواضعها، ينتشر الحمام في ربوعها، يتطاير وسط الزوار حاملا السلام والفرح في القلوب.
السير في شوارع فينيسيا أشبه بالمتاهة، فشوارعها متداخلة بشكل محير رغم اللافتات الموجودة للاسترشاد كأنك تسير في ممرات حلزونية لكن أصعبها "شارع الشيطان" لا يمكن الوصول إليه بسهولة لردائة الطريق المؤدي إليه ولا أحد يفكر في السير فيها خوفا من التيه وحيدا. جسور خشبية من مادة أسمنتية معدة لاستخدامها وقت غزو الأمطار في الشتاء، ليسير المارة في شوارعها والمياه تغطي أرجلهم، وعندها تغلق أغلب المحال التجارية، فتتوقف الحركة في الشتاء ويعم البؤس مدينة الجمال الساحر.
الشحاذون انتشروا في ساحة المدينة الساحرة وجلسوا أرضا في هدوء لا يزعجون أحدا، يمدون أيديهم على استحياء في حدود أماكنهم وبابتسامة ترتسم على الشفاه تعلن عن احتياجهم.
سيدة سبعينية أحنى الزمن ظهرها تقف بجوار أحد الكنائس وارتسم على وجهها تجاعيد الزمن مثل لوحة فنية معبرة عن شقائها، جاءت من يوغوسلافيا لتجد حالا أفضل في المدينة السياحية، فاليورو أقل فئة نقدية قد تمنحها لهؤلاء البؤساء.
وفي ساحة قريبة من أحد الطرقات اتخذ زاوية جانبية يجلس فيها، رجل ستيني اعتلى الشيب رأسه ليسأل المارة بنظراته الباسمة في هدوء أن تمنحه ما تجود به يده ولم يجد بائع الورد البنجلاديشي مكانا ساحرا سوى فينيسيا حتى يبيع وروده الأرجوانية الخلابة، يتنقل بين المارة بوجهه الأسمر، باحثا عن محبي الورود، فالكل مقبل على شرائه، فرائحة الورد مع جمال المدينة والمياه الساحرة تضفي شعورا بالارتياح النفسي.
"فينيسيا المدينة الجميلة".. "نحن في قلب فينيسا" كتابات تذكارية بخط اليد ترتسم على جدران المدينة التاريخية عند السير في منحنياتها، لتسجل حدثا تاريخيا في حياة زائريها، وتضيف ملمحا تاريخيا آخر في مدينة المباني الأثرية والتحف المعمارية المهددة بالفناء في أي وقت تغزوه المياه.