مَشرقا ومَغربا الصيف والشتاء!

مجدى علام

مجدى علام

كاتب صحفي

قال تعالى فى سورة الرحمن فى الآية 17: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» يعنى مشرقىّ الصيف والشتاء، ومغربىّ الصيف والشتاء، وهذا القول الذى ذكره الحافظ ابن كثير، رحمه الله، من أشهر الأقوال، ومن أحسنها، ومن أوضحها وأسهلها، ومعلومٌ أن الشمس تشرق فى الشتاء من غير الموضع الذى تشرق فيه فى الصيف، يعنى هى فى الصيف والشتاء تخرج من جهة المشرق، وتغرب من جهة المغرب، ولكن لها انتقال، ولذلك تلاحظ أن الظل يتغير فى الشتاء والصيف.

ولو فرضنا أن الشمس فى الشتاء تشرق من هنا إلى ناحية اليمين قليلاً مثلاً فى المشرق، وأنها كل يوم تتغير درجة حتى تصل إلى منتهى الميل فى شدة الصيف، ثم بعد ذلك تبدأ فى الرجوع، وهكذا ميلانها إذا كانت تأتى، لا تأتى عمودية، وإنما تميل فى الشتاء ميلا،ً وتميل فى أقصى درجة لها فى الصيف، فكله من المشرق إلى المغرب، لكن من هنا من أبعد درجة فى وسط الشتاء، ومن هنا فى وسط الصيف من أبعد درجة من الناحية الثانية، وفى كل يوم درجة حتى تصل إلى هذا، ثم تبدأ ترجع، فأقصى ذلك من اليمين إلى اليسار فى الشرق، هذا مشرق وهذا مشرق، «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ»، أى مشرقى الشمس فى الشتاء والصيف، و«َرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ».

وإذا ذُكر المشرق بالإفراد: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ» (سورة المزمل: 9) فالمقصود أن الشمس تطلع من المشرق وتغرب من الجهة المقابلة، وإذا ذكرت المشارق والمغارب فباعتبار هذه الدرجات التى تتحول فيها الشمس إلى الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ (سورة المعارج:40) هذا أوضح ما يفسر به، ومن أهل العلم مَن يقول: المشارق والمغارب مشارق النجوم والكواكب.

والحافظ ابن القيم، رحمه الله، فسر المشرقين والمغربين بغير هذا فيقول: الشمس تختلف فى درجة ارتفاعها شتاءً وصيفاً فهى تصل إلى أعلى درجة فى صعودها وارتفاعها شتاءً فتقل الحرارة فى الأرض، والدرجة التى أدنى منها تزداد الحرارة، ويقول: يحصل بهذا فصل الشتاء وفصل الخريف، فهو يرى أن حركتها فى صعودها وهبوطها من حيث درجة الارتفاع أن هذا هو المراد بالمشرقين والمغربين، فلها مشرق صعود تصل فيه إلى أعلى درجة فى الارتفاع، ولها مشرق آخر دونه فيقول: هذا هو المراد بالمشرقين والمغربين، والأول، والله أعلم، أوضح من هذا، وهو الذى عليه عامة أهل العلم.

وقال فى الآية الأخرى: «فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ» (سورة المعارج: 40) وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها فى كل يوم، وبروزها منه إلى الناس، لأنها تطلع وتغرب كل يوم باعتبارها تنتقل، كل يوم من أيام السنة للشمس مشرق غير المشرق، ولذلك تجد الفارق يظهر تدريجياً شيئاً يسيراً ثم بعد ذلك يزداد حتى يصل إلى أعلى درجة، وقال فى الآية الأخرى: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذهُ وَكِيلاً» (سورة المزمل: 9) وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولِمَ كان اختلاف هذه المشارق والمغارب.

الحافظ ابن القيم، رحمه الله، تكلم عن قضية وجه التثنية والإفراد والجمع فى كل موضع من هذه المواضع، يعنى سبب ذكر المشرقين فى سورة الرحمن، وفى الموضع الآخر ذكر الإفراد، وفى الموضع الآخر ذكر الجمع، وبيّن المناسبة، فقال: إن الله ذكر الشمس والقمر، وذكر النجم والشجر باعتبار أن النجم هو الشجر الذى لا ساق له، وذكر السماء ويقابلها الأرض، وذكر الميزان الذى هو العدل ويقابله الظلم، وقال: «وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَام»ِ (سورة الرحمن: 10) تقابل السماء، وذكر الفاكهة والحب، وذكر خلق الإنسان وخلق الجن، ذكر كل شىء والصنف الآخر الذى يقابله، ثم ذكر المشرقين والمغربين، فيقول: المناسب هنا فى هذه السورة أن يذكر على سبيل التثنية، يعنى لم يقل: «رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، ولم يقل: «رب المشارق ورب المغارب فبأى آلاء ربكما تكذبان»، ولم يقل: «رب المشرق ورب المغرب فبأى آلاء ربكما تكذبان»، وإنما قال: «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ» للمناسبة، فالمناسب جداً فى هذا الموطن أن يذكر التثنية، لأن ما ذكر قبله كذلك.

ولمّا كان فى اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: «فَبِأَىِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»، هنا يذكر الحافظ ابن كثير فى عدد من المواضع وجه المناسبة فى ذكر هذه الآية «فَبِأَىّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»، فيقرر ضمناً أنها ليست تكراراً محضاً ويبينها فى بعض المواضع، وهكذا جماعة من المحققين كابن جرير، رحمه الله، على هذا، يعنى هنا يقول مثلاً بعد ذكر المشرقين والمغربين ما مناسبة ذكر «فَبِأَىّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ»؟ يقول: لمّا كانت فى اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح الخلق من الجن والإنس باعتبار الشتاء والصيف، قال: «فَبِأَىِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ».