وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً}، سورة الإسراء، آية 60.
قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم محرضاً له على إبلاغ رسالته ومخبراً له بأنه قد عصمه من الناس، فإنه القادر عليهم وهم فى قبضته وتحت قهره وغلبته.
قال مجاهد وعروة بن الزبير والحسن وقتادة وغيرهم فى قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) أى عصمك منهم.
وقوله (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ) قال البخارى: هى رؤيا عين أريها رسول الله ليلة أسرى به، والشجرة الملعونة فى القرآن شجرة الزقوم.
وكذا رواه أحمد وعبدالرزاق وغيرهما، وقد تقدمت أحاديث الإسراء فى أول السورة مستقصاة ولله الحمد والمنة، وتقدم أن ناساً رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق لأنه لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتاً ويقيناً لآخرين، ولهذا قال (إلا فتنة) أى اختباراً وامتحاناً، وأما الشجرة الملعونة فهى شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم، فكذَّبوا بذلك حتى قال أبوجهل لعنه الله بقوله: هاتوا لنا تمراً وزبداً، وجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا، ومن قال إنها ليلة الإسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم، وقد قيل المراد بالشجرة الملعونة «بنوا أمية» وهو غريب ضعيف، وقال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتى مات، قال: وأنزل الله فى ذلك (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ) وأن المراد بذلك ليلة الإسراء، وأن الشجرة الملعونة هى شجرة الزقوم، قال: لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك أى فى الرؤيا والشجرة، وقوله (ونخوفهم) أى الكفار بالوعيد والعذاب والنكال (فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً) أى تمادياً فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم.
وقال: والشجرة الملعونة فى القرآن هى شجرة الزقوم، ويقول ابن عباس: قالت عائشة: وكانت الفتنة ارتداد قوم كانوا أسلموا حين أخبرهم النبى أنه أُسرى به، وقيل كانت رؤيا نوم، وهذه الآية تقضى فساده، وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها، والرؤيا التى فى هذه الآية هى رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة فى سنة الحديبية، فرُدّ فافتتن المسلمون لذلك، فنزلت الآية، فلما كان العام المقبل دخلها، وأنزل الله تعالى: (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ).
وفى هذا التأويل ضعف، لأن السورة مكية وتلك الرؤيا كانت بالمدينة، وقال فى رواية ثالثة إنه عليه السلام رأى فى المنام بنى مروان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فقيل إنما هى الدنيا أُعطوها، فسُرِّى عنه، وما كان له بمكة منبر ولكنه يجوز أن يرى بمكة رؤيا المنبر بالمدينة، وهذا التأويل الثالث، قال سهل إنما هذه الرؤيا هى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بنى أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاغتمّ لذلك، وما استجمع ضاحكاً من يومئذ حتى مات صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من تملكهم وصعودهم يجعلها الله فتنة للناس وامتحاناً، وقرأ الحسن بن على فى خطبته فى شأن بيعته لمعاوية (وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، وفى هذا التأويل نظر، ولا يدخل فى هذه الرؤيا عثمان ولا عمر بن عبدالعزيز ولا معاوية.
قوله تعالى (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِى الْقُرْآنِ) فيه تقديم وتأخير، أى ما جعلنا الرؤيا التى أريناك والشجرة الملعونة فى القرآن إلا فتنة للناس، وفتنتها أنهم لما خُوِّفوا بها قال أبوجهل استهزاء: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر والنار تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر والزبد، ثم أمر أبوجهل جارية فأحضرت تمراً وزبداً، وقال لأصحابه: تزقموا، وقد قيل إن القائل ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد ابن الزبعرى، حيث قال: كثر الله من الزقوم فى داركم، فإنه التمر بالزبد بلغة اليمن، وجائز أن يقول كلاهما ذلك، فافتتن أيضاً لهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنة واختباراً ليكفر من سبق عليه الكفر ويصدق من سبق له الإيمان، كما رُوى أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قيل له صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة من بيت المقدس، فقال إن كان قال ذلك فلقد صدق، فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه؟ فقال: أين عقولكم؟ أنا أصدقه بخبر السماء، فكيف لا أصدقه بخبر بيت المقدس، والسماء أبعد منها بكثير؟