«ترومان» وديمقراطية «الفيل» و«الحمار» فى تونس!
لا يمل الأمريكان بالطبع من الحديث معك عن الديمقراطية التى يؤمنون بها ويصرون على وجودها فى كل دول العالم على طريقتهم! رغم أن هذا الإصرار مُجافٍ لمعنى الديمقراطية ذاته، ما علينا، أعود لحديثنا وجلسة النقاش التى ألقيت فيها كلمتى وأدارها جيمس زغبى -مدير واحد من أهم مراكز صناعة القرار الأمريكى- وطال الحوار مسألة الديمقراطية التى تساءل عن رؤيتنا لها، فقلت له إن جميعنا يحلم بحرية إبداء الرأى والمعيشة وممارسة السياسة وفقاً لاختياراته، وأن الصورة الأمريكية تبقى جزءاً من هذا الحلم ولكنها ليست كل الحلم، وسألت عما إذا كان يؤمن بوجود ديمقراطية حقة لديهم فى المجتمع الأمريكى؟ وأجبت أننى أرى أنهم يعيشون حرية «ترومان»، ذلك الفيلم الشهير الذى قدمه الممثل الكوميدى الأمريكى «جيم كارى» عام 1998، ويحكى قصة مواطن أمريكى يحيا حياة نموذجية فى كل شىء -أو هكذا يشعر من يشاهد الفيلم- سكن رائع، زوجة محبة، وظيفة مضمونة براتب يكفيه احتياجاته ويزيد. ولكننا نكتشف بتعاقب الأحداث أن «ترومان» بطل مسلسل واقعى دون علمه، حيث يعيش داخل استوديو ضخم على شكل مدينة منذ مولده وجميع من حوله ممثلون اختارهم مخرج تليفزيونى قرر تقديم ذلك العرض! كان الملايين يتابعون ترومان على الشاشة ويرون فى حياته نموذجاً مثالياً يتمنونه، إلا ترومان ذاته الذى يستشعر الضيق بعدما اكتشف الحقيقة، فيقرر السفر فى مركب لا يقوده إلا لحائط فى الاستوديو الضخم فينزل منه ويدور حوار فلسفى رائع بينه وبين المخرج، الذى ينصح ترومان بالبقاء داخل تلك المسرحية والرضا بحياة لن يجدها فى مكان آخر تضمن له كل شىء كما ينبغى أن يكون، بعيداً عن المشاكل والحروب وما يمكن أن يعكر معيشته، مؤكداً أنه حمى ترومان ووفر له كل شىء! ولكن ترومان يقرر الخروج لأنه فقد مقابل كل هذا حريته فى التجربة واختيار ما يريد وأن يعيش الحياة كما يريد. واختتمت حديثى مع جيمس زغبى بأن هذا ما فعلته أمريكا بالمواطن تمنحه ما تريد وتسحب منه ما تريد، وجعلته مواطناً منكباً على استهلاكه وتطلعاته فقط موهمة إياه أنها منحته كل شىء! وقلت إن الإعلام جزء من تلك المسرحية، لأننى ومنذ وصلت واشنطن لم أجد فى قنوات التليفزيون غير أخبار عودة مونيكا لوينسكى للأضواء بعد اختفاء 16 سنة، وتسجيل حديث أوباما فى أحد مراكز الاقتراع لإحدى الأمريكيات -دون علمه- عن صديقها وكيف أنه محظوظ، والممرضة الأمريكية التى نجت من إيبولا، أما قضايا العالم الحقيقية مثل حرب أمريكا على الإرهاب وقيادتها لتحالف به 40 دولة فلا تحتل إلا ثوانى على الشاشة! وختمت حديثى بالقول إنه لا أحد يمتلك الحقيقة الكاملة وإنه لا يجوز لهم معاملتنا بمنطق المدرس والأستاذ، أو الشرطى والمتهم وإننا نحلم بالوصول لديمقراطية نصنعها وتناسب مجتمعنا، لا أن تُفرض علينا. لم يكن حديثى تقليلاً من نموذج قائم ولكنه واقع علينا تأمله، فالمجتمع الأمريكى استقر منذ سنوات بعيدة على الاختيار بين «الحمار الديمقراطى»، و«الفيل الجمهورى» وكأن الولايات المتحدة ليس بها من يصلح لحكمها أو يفكر خارج إطار هذين الحزبين! وإذا سلمنا بأن هذا نوع من الاستقرار المتفق عليه للمجتمع، تكون الأمور نسبية ويكون من حق الأغلبية اختيار ما يناسبها من أشكال الاستقرار مع دعم القيم الإنسانية التى اتفق عليها العالم. ولذا لا أصدق حديث الأمريكان عن الديمقراطية، ولذا أيضاً لم أصدق مسرحية تراجع حزب النهضة الإخوانى وفوز حزب «نداء تونس»، لأن هذا لا يعنى مولد الديمقراطية أو هزيمة الإخوان فى تونس، كما قال البعض، بل يعنى حمايتهم من خطر الانهيار واستفزاز مشاعر التونسيين، فالخطة الأمريكية الجديدة تقتضى تراجع الإخوان خطوة للخلف للحفاظ عليهم من جانب، وتقديم نموذج تونس ليتحدث عنه الحالمون والخائنون والمغيبون، لأن اللعبة لم تنتهِ بعد.