قبل رحيله، أجرت «الوطن» هذا الحوار مع الدكتور نعمان جمعة، السياسى الوفدى البارز، الذى قيَّم فيه تجربة انتخابات الرئاسة الأخيرة من واقع خبرته السياسية الطويلة، وكونه مرشحاً سابقاً فى انتخابات الرئاسة عام 2005 التى نافس فيها الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وحل ثالثاً فى نتائجها.
المحامى بالنقض، العميد السابق لكلية الحقوق، الرئيس الأسبق لحزب الوفد، يكشف فى حواره الأخير لـ«الوطن» عن جانب كبير من كواليس انتخابات 2005، ودور الحزب الوطنى «المنحل» فى حسم نتيجتها لصالح الرئيس الأسبق، والأسباب التى دفعته للمشاركة فى الانتخابات رغم علمه بأنها «مضمونة» لـ«مبارك»، وسبب انزعاجه من ترتيبه الثالث فى نتائج الانتخابات، وكذلك الأزمة التى عصفت بحزب الوفد، بعدها.[FirstQuote]
■ بعد أكثر من 9 سنوات على تجربة انتخابات الرئاسة التى خُضتها فى 2005.. كيف تقيم تجربة انتخابات الرئاسة الأخيرة؟
- الفارق الأكبر أنه لم يعد هناك مفهوم الفائز مسبقاً وعلى الجميع المنافسة حتى آخر لحظة، وحتى إن كان المشير عبدالفتاح السيسى يصفه البعض بأنه رجل المرحلة والرجل الأقدر داخلياً وخارجياً وأحسبه كذلك، لكن لا يستطيع أحد أن يقف فى وجه التغيير السريع الذى حدث للشعب المصرى بعد ثورتين على حُكام فشلوا فى تغيير هذا الشعب للأفضل، واحتمال الثورة الثالثة قائم يهدد أى رئيس، حتى إن كان منتخباً «أحذر فالشعب جائع»، وآخر نصائح يمكن أن يقدمها مرشح رئاسى خاض انتخابات 2005 لرئيس مصر أياً كان وفى أى انتخابات مقبلة «مصر أمانة حافظ عليها، وإن فرطت فمصيرك لن يختلف عمن سبقك».
■ ما الفارق بين البرنامج الانتخابى الذى كنت تخوض به الانتخابات فى 2005 والبرامج الانتخابية الأخرى حالياً؟
- لم يكن هناك أى فوارق، اللهم إلا فى أزمات الأمن والطاقة التى استفحلت هذه الأيام، لكن ما دون ذلك كان الوضع كما هو الآن، وكانت المشكلة الأساسية التى تواجهنا هى «الفقر والجوع» وتلك المشكلة هى أساس أى برنامج انتخابى لمصر حتى 10 سنوات مقبلة على الأقل، «الفقر، البطالة، السكن، والعدالة الاجتماعية» كانت أساس برنامجى الانتخابى، وأطالب «الرئيس المقبل» أن يبدأ بمحاربة الجوع وتكريس كل ما يفيض عن ضرورات موازنة الدولة لفكرة الضمان الاجتماعى، وتأهيل أبناء العشوائيات لحياة كريمة، فهذا الحل سيضمن بناء اجتماعياً وأخلاقياً جديداً يعيد التوازن للأمة المصرية.[SecondQuote]
■ بالعودة لانتخابات 2005.. كنت منافساً لحسنى مبارك، بينما كانت النتيجة معروفة سلفاً بأنه سيفوز بها.. فلماذا شاركت فيها؟
- انتخابات 2005 كانت نقلة كبيرة على طريق الديمقراطية المفقودة فى مصر من بعد ثورة 23 يوليو مع ميل أغلبية الشعب للحكم العسكرى الذى لم يتغير إلا مع تقبّل مبارك «الشخصى» لفكرة الانتخابات لتحسين صورته كحاكم ديمقراطى أمام الغرب، وكانت التعديلات الدستورية التى رفضها معظم التيارات السياسية وقتها تقصر الترشح على كل من يحظى بأغلبية ثلثى مجلسى الشعب والشورى، أو أن يكون قادراً على جمع 30 ألف توكيل من جميع المحافظات، وهى شروط تقصر الأمر على أنصار السلطة أو أن يكون رئيس حزب ولم أجد أمامى بديلاً عن المشاركة بصفتى الحزبية حتى لا تكون الساحة خالية.
■ هل كان قرار خوض المنافسة قرارك الشخصى أم قراراً حزبياً لـ«الوفد»؟
- والله، هذه الفكرة لم تخطر على بالى وقتها، ولست أنا صاحب هذا الاقتراح من الأساس، ولكن فكرة ترشحى لأكون منافساً قوياً لـ«مبارك» خرجت من الأساس من الحزب الوطنى ومن بعض رجالات الدولة وقتها، قبل أن تخرج من حزب الوفد، وذلك فى إطار البحث عن شخص «شريف» يستطيع أن ينافس «مبارك» ولو بدرجة، لكنى داخل حزب الوفد أعلنت أننى شخصياً وحزب الوفد كذلك غير جاهزين لخوض هذه الانتخابات، فالرئيس مبارك منافسته ليست أمراً سهلاً، وكان من الصعب علىَّ خلال 3 أسابيع وبإمكانيات محدودة وعدم وجود فرصة كبيرة فى الإعلام الحكومى وقتها أن أخوض غمار الانتخابات، وانصعت لصوت العقل، وقررت الرفض.
■ لحزب الوفد وقتها قرار آخر استدعى تغيير مواقفك.. احكِ لنا عن الأزمة وقتها داخل أكبر الأحزاب المصرية آنذاك؟
- داخل الحزب كان هناك مؤامرة تنسج خيوطها حول رقبتى فقد كانت الهيئة العليا للوفد وقتها تطالبنى بالترشح معتمدة مبلغ 10 ملايين جنيه يتم فصلها من ميزانية الحزب وتشرف عليها لجنة لست عضواً فيها، وكان ما يدور فى الغرف المغلقة وقتها يصلنى فإن وافقت كان بها وإن لم أوافق على الترشح فالرجل الثانى «محمود أباظة» مستعد لذلك، وأبيت أن يكون هناك رأسان للحزب وفضلت الاستجابة لقرار الهيئة العليا رغم أنه غير ملزم لرئيس الحزب ولا يحق لها وليس من اختصاصها، لكن فضلت عدم التصادم ورشحت نفسى، ويشرفنى ويكفينى أننى خضت منافسة قوية ومعركة مشرفة لا تزال آثارها ممتدة حتى الآن.[ThirdQuote]
■ 10 ملايين جنيه هى حجم ميزانية الانتخابات لمرشح رئاسى فى 2005 كيف تم التصرف فى ذلك المبلغ؟
- هذا المبلغ الضخم يصرف اليوم فى مؤتمر دعائى واحد لأى من مرشحى الرئاسة، لكنى وقتها كنت أجده كبيراً وأُشهد الله أنه لم يدخل جيبى الخاص مليم واحد منه بل أبقيت على 2 مليون جنيه فى خزينة اللجنة بعد صرف 5 ملايين جنيه أنفقت بشيكات لمؤسسات عامة، مثل التليفزيون المصرى والمؤسسات الصحفية القومية و3 ملايين هى تكلفة المطبوعات واللافتات والانتقالات والدعاية فى وسائل إعلام خاصة.
■ انحصرت المنافسة وقتها بين 3 مرشحين بشكل أساسى بين حسنى مبارك ونعمان جمعة وأيمن نور الذى أعلن ترشحه للرئاسة من محبسه وقتها مستغلاً حالة التعاطف الشعبى معه.. كيف كنت تقيم «نور» وقتها كمنافس على الرئاسة؟
- عمرى ما عملت حساب لأيمن نور، وكانت وجهة نظرى فيه أنه «ظاهرة إعلامية»، أنا فصلته من حزب الوفد لأنه كان بيحاول شق الحزب وتقسيمه، وكان يقف خلفه مجموعة من حاشية مبارك ووسائل إعلام أجنبية، وكان دائم المحاولة للظهور الإعلامى بأى ثمن يدفعه من تاريخه السياسى، وفى حقيقة الأمر أنا لم يكن يعنينى كثيراً من سيترشح، فأنا أعرف أنها مضمونة لمبارك ولكنى دُفعت لذلك من أجل مصلحة الحزب فقط.
■ ما طبيعة المشكلات التى واجهتها أثناء خوض الانتخابات الرئاسية فى 2005 سواء كانت من جانب الدولة أو الإعلام؟
- لا بد أن أشهد أن الدولة تعاملت مع جميع المرشحين معاملة طيبة، وكاذب من يدعى غير ذلك، وهذا لسبب بسيط أن النتيجة كانت معروفة سلفاً فلم المضايقات والتزوير فى النتائج؟ الذى حدث لم يكن سوى فعل «أفراد» متآمرين وليس الحكومة.
■ لم تكن تتوقع الفوز فى السباق الرئاسى ولكنك على الأقل لم تتوقع المركز الثالث.. ماذا كان رد فعلك وقتها؟
- بالفعل كنت متوقعاً الخسارة، لكنى لم أتوقع تقدم أيمن نور فى المركز الثانى، خاصة أن نتائج الانتخابات أكدت أنى صاحب المركز الثانى وما تم هو نتيجة «مصنوعة» لصالح «نور» من أجل «كسر عنقى»، وهذا كان صنيعة رجال الحزب الوطنى الذين اكتشفوا مقدرتى على المنافسة، فكان لا بد من إزاحتى ليس من أجل «مبارك» ولكن من أجل الوريث المقبل.
■ كيف استقبلت خبر فوز «مبارك» وهل هنأته وقتها بالفوز كخصم شريف؟
- خبر فوز «مبارك» كان متوقعاً بالطبع ولكنى لم أهنئه ليس حزناً على الخسارة ولكن بسبب تقدم أيمن نور غير المستحق علىّ ووقتها تحدث لى كثيرون بضرورة الاتصال والتهنئة، ولكنى لم أستجب حتى هاتفنى زكريا عزمى وقتها قائلاً: «الراجل زعلان عمره ما طلب حاجة وحد قال له لا»، فاتصلت به حتى لا يتطور الأمر، وبادرنى قائلاً: «زعلان ليه يا نعمان؟» فرددت: «أنا كنت عارف إنى هخسر لكن النتيجة بتقول إنى التانى مش التالت لكن أنا مش هطعن احتراماً لك بس».