إنهم يجلبون السخرية من الفقهاء

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

بذل فقهاء الإسلام جهوداً لا حصر لها من خلال كتبهم المدونة، سواء فى الفقه أو أصوله، حتى عُد إنتاجهم العلمى من مفاخر الحضارة الإسلامية، من كتاب (الرسالة)، إلى (البرهان فى أصول الفقه)، إلى (المستصفى)، إلى (اللمع)، إلى (المحصول)، إلى (متن القادورى)، إلى (المدونة الكبرى)، وفى كل ذلك كان الفقيه يراعى عصره، ولا ينكر المختلف فيه، وينتهى بفقهه إلى البناء لا الهدم، والجمال لا القبح، ويُعلى من الجانب الإنسانى، حتى صدرت المؤلفات التى تتحدث عن الإنسانية عند الفقهاء، كما فعل الدكتور هانى تمام فى كتابه: (الأبعاد الإنسانية فى فقه السادة الحنفية).

حفل تاريخ المذاهب الأربعة على مدار التاريخ بإنتاج علمى بعيدٍ عن الهوى والعصبية، مدرك لواقع زمانه، مؤمن بالخلاف الفقهى، إنتاج يراعى مقاصد الشرع، فاعتنى بالتقارب والمودة والجمال والكرامة والبناء وقيمة الطفولة والوقت والأخلاق الرفيعة، وتدبر النوازل والمستجدات، ووضع ما يناسبها من حلول عصرية بجهود المجتهدين.

اليوم يتعرض فقهاء المذاهب لسخرية هم منها براء، بسبب ما يجلبه لهم تيار (التخلف الأزهرى) بتعبير الباحث «هيثم أبوزيد»، أو تيار التشدد والتزمت، وذلك حينما يقوم بعضهم باستدعاء ما قاله الفقيه فى مسألة كتحريم أو تكفير تهنئة المسيحيين بعيدهم، وإنزالها على واقع اليوم.

حفظ الله مصر من هذا التنزيل العابث، وما زال المصريون يقدمون التهانى بكل أريحية وحب دون النظر إلى هذه الفتاوى، وما زالت كلمة الأزهر وهيئاته العلمية الموقرة تؤيد التهنئة، وتدعو لها، وتراها من الود والمحبة والاحترام.

القائل بالتحريم غير مدرك للواقع الجديد، واستدعاء كلام فقهاء القرون الماضية فى غير محله، ومظنة الخوف من التهنئة لئلا تكون إقراراً بعقيدة المخالف هو تصور غير محتمل واقعياً، فالإسلام أباح زواج المسلم من مسيحية، فكيف يعيش معها فى بيت واحد ثم يحرم تهنئتها بعيدها؟! وفى المسألة تفاصيل لا يسع لها المقال.

لكننا نتصور، وفق المزاج الأخلاقى العام فى كل مجتمع، أن الإنسان من حقه أن يُقدم التهنئة لغير المسلم، ومن حقه تماماً أن يرفض لأسباب شرعية مقتنع بها، وفى الحالتين لا عتاب، لكن لا نفهم معنى أن لا يُقدم التهنئة ثم يصرِّح بذلك وسط إخواننا المسيحيين!! هذه سخافة لا سيما لو نسبها إلى الفقهاء، يتصور العاقل فى كل مجتمع أن الشخص يُبارك الزواح أو لا يبارك، لكن من السخافة إعلانه عدم المباركة، أن يُقدم العزاء أو لا يقدم هو حر، لكن من الاستعباط المتأسلم إعلانه أنه لن يقدم العزاء.

إن المحافظة على الفقه والإخلاص للمذاهب لا يكون ببعث تراثهم الفكرى والفقهى والحضارى بغثِّه وسمينه وزمانه ومسائله كأنه جثث محنطة، وإنما يكون بغربتله وتحويله إلى فقه حى متحرك قريب من واقع الناس، وإلى مشعل نور وهداية وحب وجمال، وأما أخذ كلام فقيه قديم، وعدم مراعاة الاجتهاد الجديد ولا الواقع، والتسليم الكامل بالقديم، فهذا تعطيل لنعمة النظر، وإعطاء فرصة سانحة للخصوم للإساءة للتراث، وانزلاق نحو الباطل، وانشغال بفتوى مكررة لا طائل من ورائها، حتى إن جمع القائل لها مجلدات تحوى نصوصاً وأقوالاً للفقهاء القدامى، فإنه قبل كل شىء قد عطل نعمة النظر، وجلب السخرية من الفقه والفقهاء، وقال بغير واقعهم، وابتعد عن الجادة، وعمى بصره، لا أقول عن التطورات التى حدثت فى العالم، بل عن التطورات التى حدثت فى الشارع الذى يسكن فيه.