خطر التزييف العميق الذى يداهمنا
منذ أيام قليلة، وصلنى أحد الفيديوهات المتداولة للمذيع إبراهيم بدر على قناة العربية. قال للمشاهدين: «ستشاهدوننى بوجوه مختلفة»، وبالفعل عرض على الفور تغير وجهه لعدة أشكال وأجناس، وقال إن هذه هى تقنية التزييف العميق DEEP FAKE، وإنها تقنيات مفزعة تجتاح عالمنا الافتراضى، بل حذر المشاهد من أنه ربما يجد نفسه يرتكب جريمة أو يمثل فيلماً، وسيكون المشاهد مزيفاً وليس هو الشخص الحقيقى، بل إن هذه التقنيات يمكنها أن تجعل صوراً قديمة لأناس رحلوا تتحدث وهى تقنية الحنين العميق DEEP NOSTALGIA!
هذه البرامج أصبحت تثير الرعب فى العالم، وقد عرض التقرير فيديوهات للممثل توم كروز المزيف وهو يلعب الجولف، وللملكة إليزابيث، ملكة بريطانيا، وهى ترقص، وأنه يمكن عن طريق خريطة للوجه وعدة صور بتعبيرات مختلفة مع مقاطع فيديو للشخص، يمكن عمل فيديوهات إباحية لابتزاز الأشخاص!
لم تمر أيام قليلة، حتى وقع الحادث المأساوى لفتاة ذات ١٧ ربيعاً، وهى بسنت خالد من محافظة الغربية، التى قام صبيان بابتزازها بصور ومقاطع فيديو مزيفة وتهديدها بنشر هذه الصور أو إقامة علاقة مع أحدهما! والحقيقة أن الرسالة التى تركتها الفتاة لوالدتها قبل أن ترحل تبين العذاب والضغط الهائل والظلم الذى تعرضت له هذه الفتاة، والتى لم تتحمل حياتها بعده، وفيما يبدو أنها واجهت هذا المصير وحيدة معزولة!
لكن ماذا لو لم تُقدم بسنت خالد على الانتحار؟ ماذا لو بقيت على قيد الحياة تدافع عن نفسها وتقاتل من أجل إثبات براءتها؟ هل كان سيصدقها أحد؟ لقد عاشت «بسنت» حوالى أسبوع بين جدران بيتها، ومن الواضح أنها لم تستطع إقناع ذويها بأنها ليست هى مَن فى هذه الصور والفيديوهات، ولا أعرف، ولن يعرف سوى الله، هل دعمتها أسرتها أم أجهزت عليها؟ وهذا ليس بجديد على مجتمعنا المصرى، الذى تُدان فيه الفتاة وتتحول إلى مُذنبة فى كل الأحوال، فإذا ما تحرش بها أحد، فلأنها تسير بخلاعة، ولو اعتدى عليها، لأنها تُظهر مفاتنها، ولو ضربها زوجها فهو يؤدبها، ولو استبد بها شقيقها فهو رجلها الذى فى مكانة أبيها!
لقد رحلت فتاة جميلة فى عمر الزهور لأنها لم تجد مَن يقف وراءها ويدعمها، لكن ماذا عن الأيام والسنوات المقبلة التى تتطور فيها الوسائل العلمية، وتتطور أيضاً الوسائل الإجرامية والوسائل الشيطانية والضمائر الميتة، والمجتمعات الظالمة؟ ما مصير فتيات كثيرات سيتعرضن لمثل ما تعرضت له «بسنت» ولن يجدن مَن ينصفهن؟ ما الحل ونحن نرى صبية فى الريف المصرى يستخدمون تقنيات متقدمة فى الإجرام والمجتمع يساعدهم بنفس أفكاره منذ قرون وكأننا نشاهد فيلماً من أفلام فاتن حمامة!
نحن فى انتظار نتائج تحقيقات النيابة العامة، لكننا أيضاً فى انتظار حلول عاجلة لإنقاذ المجتمع من مثل هذه الجرائم الأخلاقية التى تهدد مستقبلنا.