فى كرة القدم لمحة من كبرياء
كتبت هذا المقال فور انتهاء مباراة منتخبنا لكرة القدم وفوزه على المنتخب المغربى الشقيق، وصعوده للمربع الذهبى فى بطولة كأس الأمم الأفريقية، ومثل كل المصريين غمرتنى السعادة.. ليس لفوز المنتخب بالمباراة فقط، وإنما للأداء القوى رفيع المستوى لأبنائنا بقيادة العالمى محمد صلاح، وتأكيد هؤلاء الشباب أن المصريين قادرون على الإنجاز فى أصعب الظروف، حتى وإن كانت التوقعات فى غير صالحهم.
هل نبالغ فى الفرحة بمنتخبنا الوطنى؟ هذا سؤال يلح على أذهان البعض، والإجابة بالقطع: لا، فكرة القدم لم تعد مجرد لعبة للتسلية، بل أصبحت تشكل حيزاً كبيراً داخل نفوس الجماهير من عشاق تلك الساحرة المستديرة، وتحولت كرة القدم إلى مَخرج مهم لتخفيف ضغوطات الحياة، وهنا يكمن أحد أهم أسرار سعادة الشعوب.
كرة القدم، باعتبارها اللعبة الشعبية الأولى على وجه الأرض، تحولت إلى لغة عالمية يفهمها الجميع دون أن ينطق من يمارسها ومن يشاهدها بحرف واحد من أى لغة، وخضعت اللعبة لدراسات علمية تفسر ارتباط الإنسان بها، ومما أوضحته تلك الدراسات هو وجود خلايا عصبية متخصصة فى الدماغ تسمى «الخلايا العصبية المرآتية» التى تسمح لنا بفهم وجهات نظر الآخرين، وتُمكننا هذه الخلايا العصبية من وضع أنفسنا فى مكان شخص آخر وتخيل ما يمر به فى لحظة معينة، وهذه المشاعر تتضخم عندما نشاهد فريقاً أو لاعباً لكرة القدم، ونشعر بجزء من المشاعر التى يشعرون بها، وتتغير المواد الكيميائية فى الدماغ أثناء مشاهدة المباريات، فعندما يخسر فريقك يُنتج عقلك هرمون «الكورتيزول»، وهو هرمون التوتر الذى يصدره جسمك عندما تكون تحت الضغط النفسى، والأسوأ من ذلك أن الدماغ قد يُنتج كمية أقل من هرمون «السيروتونين»، وهو ما قد يؤدى إلى زيادة حالات الغضب والاكتئاب، أما عندما يفوز فريقك أو حتى يلعب بشكل جيد فهذا يحفز عقلك لإطلاق هرمون «الدوبامين» الذى يساعدك على الشعور بالسعادة.
وأظهرت بعض الدراسات أن عشاق الرياضة يمكن أن يشعروا بقلق شديد قبل المباريات المهمة والحاسمة فى البطولات، تماماً مثل اللاعبين، ويمكن أن تؤدى مشاهدة كرة القدم إلى زيادة معدل ضربات القلب لديك إلى مستويات مماثلة لتلك المرتبطة بالتمرينات القوية، وعندما نشعر بالتوتر أثناء مشاهدة المباريات يرسل العقل إشارات تسبب إطلاق هرمون «الأدرينالين» من الغدد الكظرية، ويبدأ القلب فى النبض بشكل أسرع.
كرة القدم، وهى مجرد لعبة رياضية، تجد كل الاهتمام على الصعيد العالمى، وتتجه أنظار الشعوب إليها بشكل مثير وحماسى، وتوصَّل علماء الاجتماع إلى أن عنصر الكثرة من خلال وجود أحد عشر لاعباً من أجل المنافسة يجعلها تتسم بطابع إنسانى اجتماعى يذكى حس الجماعة ويزيد من الشعور بالتضامن والتعاون.
وتبقى كرة القدم ذات سحر لا يقاوم ومرتبط بمشاعر الناس على اختلاف ثقافاتهم، ومستوياتهم الاجتماعية، ويلامس وجدانهم فى محبة الوطن، فكل شعب يسعى إلى الانتصار كروياً للجهر باسم الوطن والتباهى بين الأمم، واستحضار لمحة من كبرياء.
وغداً سيلاقى منتخبنا فريق الكاميرون، وسواء فزنا أو لم نفز علينا أن نتباهى بفريقنا صاحب الرقم القياسى بالفوز بالبطولة، وممثل العرب الوحيد فى الدور قبل النهائى، وإن كان هذا كافياً لإرضاء كبريائنا، لكننا نطمح للفوز بالبطولة، وعذراً فهذه لمحة من شيفونية تتملكنى.