المجالس المحلية الغائبة وإصلاح الإدارة المحلية

آن الأوان أن نبدأ فى إصلاح الإدارة المحلية، بعد أن تأخرنا كثيراً فى إصلاح أحوال المحليات والعاملين بها رغم أهمية ذلك لنا جميعاً، وبعد أن افتقدنا وجود المجالس المحلية ودورها المهم فى اكتمال النظام المحلى بشقيه التنفيذى والرقابى الذى أثر كثيراً على العمل المحلى منذ أن تم حل المجالس المحلية فى عام 2011 حتى الآن.

وقد كان المبرر دائماً فى تأخير الإصلاح هو انتظار صدور قانون الإدارة المحلية الجديد، وهو عذر أقبح من ذنب، لأن الكثير من عملية إصلاح المحليات لا يحتاج إلى قانون قدر احتياجه إلى رؤية واضحة وفهم لفلسفة وجود الإدارة المحلية واستغلال المتاح من القوانين الاستغلال الأمثل والاستفادة من وجودها لدعم النظام المحلى وتقديم خدمات أفضل للمواطنين.

فقد أصبح من الضرورى الآن، فى ظل الإنجازات العظيمة التى تتم فى مصر، أن يتم إصلاح الإدارة المحلية سريعاً بآليات أخرى، أسوة بدول كثيرة سبقتنا، دون انتظار لصدور قانون الإدارة المحلية الجديد الذى تأخر صدوره إلى ما يقرب من ثمانى سنوات حتى الآن منذ أن صدر الدستور عام 2014.

فوجب علينا الآن أن نقوم فوراً بإجراءات كثيرة للإصلاح بأفكار وآليات جديدة، خاصة فى الأمور التى لا تحتاج إلى تعديل القوانين المحلية، من أجل سرعة إصلاح المحليات ولحين صدور القانون الجديد حتى لا نتأخر فى عملية إصلاح المحليات أكثر من ذلك.

فقد آن الأوان أن نبدأ فوراً فى عمل كادر محلى يساعدنا فى اختيار القيادات المحلية المتميزة وتأهيلهم وتدريبهم من خلال استكمال إجراءات إنشاء أكاديمية الإدارة المحلية المتخصصة فى خلق الكادر المحلى المؤهَّل والمدرَّب والقادر على تقديم خدمات أفضل للمواطنين وتنفيذ القانون على الجميع وللجميع، استكمالاً لما تم اتخاذه من إجراءات سابقة لإنشاء أكاديمية متخصصة فى تخريج قيادات الإدارة المحلية وافق على إنشائها المجلس الأعلى للجامعات بالفعل أثناء فترة عملى أميناً عاماً للإدارة المحلية وتحويل مركز تدريب سقارة التابع للأمانة العامة للإدارة المحلية فى حينه ليكون أكاديمية متخصصة أسوة بما شاهدناه فى فرنسا ودول أخرى كثيرة، وتم بالفعل عمل لائحة للأكاديمية بحيث تقبل خريجى كلية الحقوق وكلية التجارة وكلية السياسة والاقتصاد الحاصلين على تقدير جيد على الأقل وتكون الدراسة فيها لمدة سنتين منهما سنة نظرى وسنة عملى، ويتخرج بعدها الطالب للعمل رئيس وحدة محلية قروية صغيرة ويتدرج فى المناصب حتى يصل إلى سكرتير عام محافظة، ليصبح لدينا كادر مؤهَّل ومدرَّب يتم من خلاله اختيار المتميزين منهم للعمل نواب محافظين ثم محافظين، مع مراعاة إعادة تدريب القيادات الحالية أيضاً للاستفادة من وجودهم وخبراتهم من خلال برامج تدريب متخصصة، وتم بالفعل إرسال كافة الأوراق والموافقات إلى المجلس العسكرى لإصدار القرار اللازم، وتوقفت الإجراءات بعد صعود الإخوان للحكم ولم تكتمل حتى الآن رغم أنها إجراءات غير مرتبطة بصدور القانون.

كما يجب العمل فوراً على تقليل حجم المحافظات وإنشاء محافظات جديدة بمساحات أصغر تكون قادرة على تقديم خدمات أفضل للمواطنين، خاصة بعد الزيادة الرهيبة فى عدد السكان والمساحات الشاسعة للمحافظات والتوسع العمرانى الكبير وعدم قدرة المحافظين على التواصل مع المواطنين، خاصة فى حالة عدم وجود المجلس المحلى الذى يمثل النصف الآخر من الإدارة المحلية، والذى يمثل أهمية كبيرة فى استقرار واكتمال النظام المحلى رغم محاولات البعض التقليل من دوره وأهميته لأغراض خبيثة أو عدم فهم للأنظمة المحلية فى العالم كله وفلسفة وجودها، فتم التعامل مع الواقع وخسر المواطنون فى كل ربوع مصر وجود المجلس ودوره المهم لأكثر من عشر سنوات، فأصبح علينا الآن، ولحين صدور قانون الإدارة المحلية الجديد، تنفيذ القانون رقم 116 لسنة 2011 الصادر من المجلس العسكرى والخاص بتشكيل مجالس محلية مؤقتة من أجل سد هذا الفراغ الكبير الذى تركه حل المجلس المحلى طول هذه الفترة، وقد سبق بالفعل أن قمنا بعمل لائحة تنفيذية لهذا القانون وآليات الاختيار وكيفية التنفيذ، لكن الخوف من وجود الإخوان وقتها أجَّل تنفيذ القانون وأصبح تنفيذه الآن ضرورة ملحة.

كما أصبح من الضرورى أن نهتم بخلق مؤسسات محلية متميزة تساعد المحافظين فى أداء مهامهم، مع تحديد الأدوار والصلاحيات والاختصاصات لكل جهة لمنع التشابكات بين المحافظات المحلية والوزارات المركزية، ولا بد أيضاً من عودة الأمانة العامة للإدارة المحلية التى نص عليها قانون الإدارة المحلية، ورغم ذلك تم إلغاؤها دون دراسة متأنية، وقبل تعديل القانون بالمخالفة، على أن تتم عودة تبعيتها إلى مجلس الوزراء لتكون مسئولة عن مطالب المحافظات ومشاكلها واجتماعات مجلس المحافظين جنباً إلى جنب مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء المسئولة عن مطالب الوزارات واجتماعات مجلس الوزراء.

كل ذلك وغيره من الأفكار والإجراءات التى لا يتسع المقال لذكرها تمهد لنظام محلى محترم يليق بمصر ولا يتعارض مع الدستور ولا ينتظر صدور قانون الإدارة المحلية، ويمكن للقانون تضمينها عند إعداده ووضعها فى الاعتبار عند إصداره حتى لا نتأخر فى الإصلاح أكثر من ذلك بحجة انتظار القانون.

فالجميع متفق تماماً على أن أى إصلاح بدون إصلاح الإدارة المحلية لن يأتى بالنتائج المرجوة، خاصة أن مسئولية المحليات كبيرة فى الحفاظ على الإنجازات العظيمة والمشروعات العملاقة التى تقوم بها الدولة فى كل محافظات مصر برعاية كريمة من السيد الرئيس.

وعلينا بعد هذه الإصلاحات العاجلة انتظار صدور القانون لعمل الإصلاح الشامل للإدارة المحلية وتحقيق اللامركزية المالية والإدارية التى نص عليها الدستور، فى إطار السياسة العامة للدولة والقوانين المنظمة لذلك، فاللامركزية هى أساس إصلاح الإدارة المحلية.

ويحتاج تطبيق اللامركزية إلى مجلس محلى قوى ومؤهل وقادر على الرقابة والمتابعة والتشريع المحلى فى حدود الاختصاصات، إذا اعتبرنا مثلاً أن فرض رسوم محلية هو تشريع محلى، وأن عمل اشتراطات محلية للمحافظات طبقاً لاحتياجاتها تراعى طبيعة كل محافظة هو تشريع محلى.

فالإدارة المحلية واللامركزية وجهان لعملة واحدة يعتمد فيها النظام المحلى على اللامركزية وتعتمد اللامركزية على مجلس محلى قادر على المتابعة والمساءلة وفرض رسوم محلية وضرائب محلية لتحقيق إيرادات محلية وخلق مشروعات محلية لخدمة التنمية بالمحافظات وعمل اشتراطات محلية، وكله فى إطار السياسة العامة للدولة والضوابط والقوانين المنظمة التى تضعها الدولة لتنظم العلاقة بين الحكومة المركزية والمحافظات المحلية طبقاً للموارد المحلية والتركيبة السكانية لكل محافظة، حتى نصل إلى اللامركزية الحقيقية التى تساعد فى الوصول إلى إدارة محلية تليق بمصر وتراعى طبيعة كل محافظة، سواء كانت محافظة حضرية أو ريفية أو صناعية أو صحراوية بدوية، أو محافظة سياحية أو ساحلية أو تاريخية، ودمجها فى أقاليم اقتصادية، ويكون المجلس المحلى قادراً على متابعة الأعمال التى تتم، وكذا التواصل مع الموطنين لشرح ما تقوم به الدولة وقياس مدى رضاء المواطنين عنها وتحديد احتياجاتهم من الأعمال والمشروعات التى سوف تنفذها المحافظة والقيام بنقل طلبات واحتياجات المواطنين وأولوياتهم للجهاز التنفيذى لتعديل البرامج والميزانيات والأولويات طبقاً لاحتياجات المواطنين الحقيقية فى إطار من الشفافية والحوكمة.

كلنا نعلم أن الإدارة المحلية بشقيها التنفيذى والشعبى تمثل أهمية كبيرة لنا جميعاً، فهى تقدم أكثر من 60% من الخدمات التى يحتاجها المواطنون، وبها ما يقرب من 60% من موظفى الدولة وإصلاحها أصبح ضرورة مهمة جداً وأولوية أولى، وتحتاج إلى تكاتف كل الجهات من الحكومة والنواب والخبراء والإعلام والمواطنين، من أجل الإصلاح والحفاظ على الإنجازات العظيمة التى تتم الآن فى كل محافظات مصر.

والسيد الرئيس شخصياً مهتم جداً بإصلاح الإدارة المحلية ويؤكد دائماً أهمية وضرورة سرعة إصلاح الإدارة المحلية. والمطلوب فقط من كل هذه الجهات هو تقديم نموذج محترم لتطوير الإدارة المحلية يليق بمصر ويحقق الإصلاح الشامل ويساعد فى تقديم خدمات أفضل للمواطنين، وسوف يدعم السيد الرئيس عملية إصلاح أحوال المحليات والعاملين بها، خاصة فى ظل مبادرات السيد الرئيس «حياة كريمة» وأعمال تطوير العشوائيات وتحديث عواصم المحافظات التى تقوم فيها الإدارة المحلية بتنفيذ الجانب الأهم من هذه المبادرات بالتعاون مع جميع الأجهزة الأخرى، حتى تصبح مصر فى المكانة التى تستحقها بين دول العالم.

مصر فوق الجميع.

* الأمين العام للإدارة المحلية السابق

ومحافظ القليوبية والإسكندرية الأسبق