عيد الحب الكاذب
هل سأبدو متخلفة إذا ما قلت إن حالة الاحتفالات التى يشهدها العالم فى الرابع عشر من فبراير من كل عام تحت مسمى «عيد الحب» هى فى رأيى حالة مادية بحتة لا تمت للمشاعر أو التعبير عنها أو عن الحب بشىء؟!
فلا أفهم أن يكون للمشاعر يوم محدد، وأن يكون التعبير عنها مجرد كلمات روتينية، يصحبها هدية وترويج كبير يسبق هذا اليوم، والحقيقة أن الناس قد وقعت ضحية للترويج التجارى لأشياء غريبة تتنوع بين الزهور الحمراء والقلوب البلاستيكية والدببة، ووصلت إلى الحلويات، خصوصاً التورتات المغطاة باللون الأحمر، وصولاً إلى الهدايا الثمينة من مجوهرات ومعادن نفيسة، كل حسب طاقته، بل فوق طاقته فى أحيان كثيرة!
كنت أفضّل لو أن هناك قيمة إنسانية راقية ننشرها ونرسخها ونُعلى من قيمتها، يكون من بينها الحب، فالصداقة قيمة، والأخوّة قيمة، والرأفة والعدل والنزاهة والأخلاق، والحب أيضاً أحد هذه القيم، لكن ليس كلها، فالمظاهر التى نراها هى نوع محدود من الحب، وليس كل الحب، وغير حقيقى أنه ينسحب إلى كل أنواع الحب، فاللون الأحمر الذى يكسو كل شىء قد حسم الأمر، وتحول اليوم إلى يوم تجارى بامتياز، نجح التجار فى تحويله إلى يوم للشراء، حتى بائعو الزهور، وهى سلعة رقيقة، يعتبرون أن هذا موسم يرفعون فيه الأسعار، فأين الحب هنا؟
الطريف أن معظم المحتفلين بعيد الحب يحملون من الخلافات والمشاكل ما يعجز أى عيد عن حلها، وكثيراً ما تتحول هدية عيد الحب إلى أزمة وربما مشكلة، بسبب مدى تعبيرها عن فيض المشاعر، أو بسبب قيمتها، أو طريقة تقديمها، ناهيك عما يحيط بها من دعاية ربطت ربطاً مؤكداً بين المشاعر وضرورة تقديم هدية، فتحول الأمر إلى عملية تجارية بحتة.
ليس عيد الحب وحده هو ما تحوّل إلى سوق للسلع، بل لقد تحولت معظم أعيادنا إلى مظاهر مادية بالدرجة الأولى، وفقدت فلسفتها وحكمتها، ومنها عيد الأم، فكثير من الأمهات والآباء يعانون إهمال أبنائهم وبناتهم فى شيخوختهم، والبعض الآخر يعانى من الجحود والنكران، وهناك من يعانى من التطاول وعدم الاحترام، وآخرون يعانون من الاستغلال والابتزاز، ورغم كل هذا يعتبر معظم هؤلاء المقصرون من الأبناء والبنات أن هدية فى عيد الأم أو حتى عيد ميلاد أحد الوالدين تؤدى الغرض، وتجعله باراً بوالديه وأدى واجبه وما هو مطلوب منه.
هذا هو بيت القصيد لما أريد قوله، الأعياد هى تتويج لممارسة المشاعر أولاً، الوفاء والرأفة والمحبة وحسن الخلق وكرم المشاعر وغيرها من القيم لا تحتاج لوقت محدد، ولا يتم التعبير عنها بهدية، لكنها تحتاج إلى جهد وود وكرم وقرب من الله، أما هذه الموالد التى يتسابق إليها الكثيرون، فهى كاذبة غير حقيقية تنتهى بانتهاء يومها.