«الكردوسى».. الجرىء.. الخجول!

محمود مسلم

محمود مسلم

كاتب صحفي

زرنا الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى فى مستشفى الجلاء العسكرى، فقال لى «الأبنودى»: قرأت كتب قليل وكتير، لكن يظل كتاب محمود الكردوسى «مرة واحد صعيدى» من أفضل ما قرأت. يخجل «الكردوسى» كعادته وهو يسمع هذه الشهادة، وقد كانت فضيلة خجله التى يتسم بها لا يعرفها عنه الكثيرون، حيث يتوقع من يلتقونه أنه شخصية حادة مثل كتاباته، لكنهم جميعاً يفاجأون بأنه خجول.. شخصية سهلة.. يضحك مع الجميع ويتباسط معهم، يهرب من كل مشاكله بـ«إفيه».. كل شىء عنده بسيط، إلا ثوابته الوطنية لا يسمح لأحد بالاقتراب منها ولا يعرف فيها أنصاف الحلول.. مصر.. الجيش.. عبدالناصر.. ثورة 30 يونيو.. السيسى.

كنت قارئه الأول.. ولا أنتظر نهاية المقال، بل أقرأ كل صفحة بمجرد انتهائه منها، ينسج كلمات مقالاته ويغزلها بمفردات تبهر كل من يقرأها، يقسو على نفسه عندما يكتب عن أمه، لكن روعة اللغة تجعل القارئ يغفر له ما سطَّره، يهاجم ظاهرة «الباشمواطن» فيسعدك بجرأته.. يتغزل فى مصر فيزداد حبك لها من خلال كلماته، ويهاجم الإخوان بضراوة وبلا شفقة منذ أول يوم وصولهم للحكم، فيزداد كرهك لهم.

«الكردوسى» لا يشبه أحداً، نسخة متفردة فى كل شىء.. الموهبة.. العقلية.. السلوكيات.. لا أحد يتوقع ماذا يفعل، أصدر مجلة «الفن السابع» منذ سنوات بعيدة، وما زالت راسخة فى أذهان كل من قرأها، مقالاته ومعاركه هى الأعنف والأصدق والأكثر تأثيراً، لدرجة أنه أصبح يملك «ألتراس» على صفحته بـ«فيس بوك».. عناوينه تمثل علامة فارقة ومدرسة فى الصحافة، تخرَّج فيها الكثيرون.

عشنا سنوات كثيرة.. جمعنا مكتب واحد فى «المصرى اليوم»، ثم صحبة «الوطن»، كنت أشفق عليه من بعض المعارك، خاصة تلك التى تعرَّض فيها لعمليات تشويه ممنهجة، لكنه لم يكن يتراجع، يصمد ويستمر لا يعبأ بآراء الآخرين، طالما أنه يدافع عن بلده.. لم يكتب يوماً لمصلحة أو سعياً لمنصب.

كنا نتحرك معاً، أسعد بالفضفضة معه فى كل شىء؛ السياسة، الثقافة، الفن، حتى الأمور الأسرية والإنسانية.. هادئ.. يعشق ابنتيه.. يستمتع بعشوائيته.. يسخر من نفسه.. بسيط.. موهوب وفنان بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، يحكمه دائماً خيال الفنان وجنونه ومغامراته واتساقه مع نفسه، لا يفكر كثيراً فى أصداء مقالاته.. بلا حسابات، ذهب إلى المستشفى فكتب مقالاً وصف فيه الأطباء بأنهم نصف المرض، رغم ما بذلوه معه من جهد، يحكى فى مذكراته بنقاء عن أمور وشخصيات ومواقف صعبة، وعندما ألومه يبتسم.

رحم الله «الكردوسى».. ذلك المخلوق الذى كان يكره الموت، ولا يهابه.. يئس من المرض، ولا يسمع نصائح الأطباء.. يحب الناس، ولا يتواصل معهم كثيراً.. يفرط فى موهبته ولا يتاجر بها.

كل مرة يكتب فيها «الكردوسى» مقالاً رائعاً لا ينتظر ردود الفعل، يكتب ويعود إلى منزله لينام مطمئناً، ويستيقظ متأخراً غير مكترث بردود الفعل ليجد تليفونه مكتظاً بالمكالمات الفائتة ورسائل الإعجاب.. هذه المرة يذهب «الكردوسى» إلى مرقده الأخير مطمئناً على مصر التى عشقها، فخوراً بها، لكن دون أن يودع عشاقه وقراءه.. رحمك الله يا «كردوسى».