أكان لا بد أن تموت يا كردوسى!
صباح الخير يا عم محمود.. أعلم أنك لم تكن تخشى الموت.. متأكد أنك قاومته طويلاً.. ولم يقوَ عليك.. وزارك مساء الجمعة واستغل صمتك وهدوءك وأنت راقد بلا حركة على سريرك.. تحاصرك الأجهزة فى كل جانب.. نحن نبكى هنا.. بالقرب من مكتبك.. فى الطرقات التى كنت تسير فيها تتنقل بيننا.. تلقى بنصيحة هنا.. و«إيفيه» هناك.. وتروى حكاية فى مكتب ثالث.. وترن ضحكتك التى كانت بمثابة نداء لنا.. تعالوا يا ولاد: «الكردوسى هنا».
عم محمود؛ أتخيلك الآن.. تضحك علينا.. ولا تبالى بحزننا وأوجاعنا حزناً لرحيلك.. تضحك لأنك بجوار من أحببت.. وكما شرحت لنا أوصافها وكتبت: «معلّمتى ومُلهمتى وخلاصة نساء العالم». «هى -كما أحب أن أسميها- أول الكلام.. وآخر الكتابة». هى «ألفى» و«لامى».. وأنا «ميمها». هى «ذلك الكتاب» الذى «لا ريب فيه». هى «الحب» على إطلاقه. هى «الرحمة» على إطلاقها. هى «كل شىء وكل أحد» حتى فى غيابها.. وبالذات فى غيابها. لم تضج بى فى وصل أو قطيعة. لم تبخل يوماً، ولم تَشْكُ. كانت تقول: أحملك على كتفى فأنهض من قعودى وأقطع الأرض من شرقها إلى غربها كفرسة المحارب. أجوع فأشبع بوجودك فى الدنيا. أتعرى فأتقمصك كامرأة حاكمٍ أو أمير. تلك أمى.. وأنا فراغها. أبحث عنها فى «عيدها» فتأتينى كسحابة حزن. تمطرنى ألماً يسد شروخ القلب فيكتب: «سبقتنى إلى الله.. وليس للعبد بعد الله من أحدٍ».. هكذا كتبت يا حبيبى.. وقد لحقت بها وتنعم الآن إلى جوارها.
كل الكلمات.. لا تكفى نعى الأستاذ الكبير محمود الكردوسى.. واحد من الذين يملكون قلماً ساحراً وكتابة من نوع خاص.. يفاجئك بجمل لا تتوقعها ولا تملك إلا القول: «الله.. الله».
اقتربت من الكردوسى قرابة ١٧ عاماً.. هى فترة العمل فى «المصرى اليوم» و«الوطن».. لا تراه إلا ناصحاً مبتسماً.. كاتب حريف.. مقالاته «توجع».. بها دراما وحكاوى وسرد لا مثيل لها.. وجمل وعبارات «ماركة الكردوسى» هكذا تتعرف عليها وسط آلاف الكُتاب والصحفيين.. دى بصمته.
فى الجلوس مع الكردوسى متعة خاصة.. تجد كلماته حاضرة.. أفكاره حاضرة.. مقدمات الملفات بيده وكأنها لوحة.. كان يكتبها بقلمه الحبر.. وكانت المتعة لنا متعتين.. متعة هذا الخط البديع.. ومتعة الكتابة.. مرة يؤلمك بقصة يكتبها.. ومرة تضحك مع رواية من الصعيد يحكيها عن بعض الأشخاص.
فى السنوات الأخيرة اقتربنا كثيراً.. وجمعتنا جلسات.. وتابعنا أيامه القاسية مع زراعة الكبد.. وعاد منها كما كان وأفضل.. وكانت بعض لحظات المرض تطارده وتقسو عليه.. كان يدخل المستشفى.. ويخرج بابتسامته وضحكته ونقول لبعضنا: «الكردوسى هيموّتنا كلنا وبعدين يموت».
فى المرة الأخيرة.. وكانت فى الصيف الماضى.. سقط فجأة بجلطة فى المخ.. وكنا نقول لبعضنا البعض: «هيطلع منها».. ولكن عندما التقيته فى منزله بعد الخروج من المستشفى.. رأيت فيه وجه أبى فى أيامه الأخيرة.. سمعت كلمات واحد من أهالينا الكبار فى الصعيد.. عندما كان يتأكد أنه راحل ويحدثنا وهو يرى الموت.. قال لى: «بُص يا سامى.. هى كده خلصت.. واضح أن دى هى المرة الأخيرة.. الموت قرب ومفيش حاجة هترجعه عنى.. وشايف الموت فى عيون ناس كتير.. شفت أمى وشفت أخويا.. وشفت حبايب كتير.. المرة دى صعب أرجع».. قلت له.. انت هتقوم.. وترجع ومكتبك مستنيك.. وهنعمل لك حفلة كبيرة وهنفرح.. ضحك.. ضحكة عادية.. عنوانها: «أنا حافظك.. خلصت».. قبلت رأسه ويده.. وغادرت المكان.. وأمامى كل المواقف بيننا.. وضحكته المجلجلة.. وجمله التى حفظنا وأخذنا منها الكثير.. وعناوينه التى تعلمنا.. ووجهه شبيه طمى النيل لا يفارقنى.
رحيل الكردوسى صدمة.. رغم تأكدنا أن أيامه الأخيرة اقتربت.
يبقى الكردوسى مدرسة نادرة فى الكتابة.. يظل معلماً كبيراً.. يظل باقيا برواياته وكتبه.. يظل بيننا بحكاويه النادرة.. أكان لا بد أن تموت يا كردوسى.. أكان لا بد أن تموت وتحرمنا من حكاياتك.. من نصائحك.. من نوادرك.. من مقالاتك.. من طلتك.. من ضحكتك.. من إفيهاتك.. من تشجيعك للزمالك.. أكان لا بد أن تحرمنا من كل هذا.. أكان لا بد أن تموت يا كردوسى!.