الوعى.. والشأن العام

محمود مسلم

محمود مسلم

كاتب صحفي

فى جلسة متميزة ناقش مجلس الشيوخ، بقيادة المستشار عبدالوهاب عبدالرازق، قضية استعادة واستدامة الوعى الوطنى؛ من خلال طلب المناقشة الذى قدمه النائب طارق نصير وأكثر من عشرين عضواً.. وقد شارك الكثير من النواب بآرائهم القوية فى هذه القضية التى أجمعوا على أنها تمثل أهمية قصوى فى هذه المرحلة. وعرض خلال الجلسة د.أشرف صبحى ود. مختار جمعة، وزيرا الشباب والأوقاف، جهود الحكومة فى هذا الصدد.

طرحتُ وجهة نظرى خلال الجلسة بأن الحكومة حتى الآن لا تملك استراتيجية قوية لمواجهة أهم قضية؛ وهى «الوعى»، وأن الإعلام يتحمل وحده المواجهة، مع أن دوره القوى نشر الحقائق، بينما تغيير السلوكيات والقناعات يحتاج إلى الاتصال المباشر، وهو ما يناسب بشكل أكبر دور وزارات التعليم والثقافة والتعليم العالى والشباب والرياضة والمؤسسات الدينية، خاصة أن مصر تتعرض لعمليات تشويش ممنهجة على مدى 24 ساعة عبر وسائل التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية.

ورغم حضور وزيرىْ الشباب والأوقاف فقط من الحكومة، لكنهما استطاعا الإجابة عن كثير من تساؤلات النواب. وقد طرح د.مختار جمعة خلال عرضه لمجهودات الوزارة فى قضية الوعى فكرةً، أرى أنها جديدة وجديرة بالتوسع فى مناقشتها، وأعلن «جمعة» أنه سيعقد مؤتمراً حول «الشأن العام بين حرية الرأى ومسئولية الكلمة».. وبالطبع هو يقصد نطاق الأئمة.

ورأيى أن الموضوع يحتاج إلى التوسع فيه لأن عدد الروافد التى يخرج منها البعض للإدلاء بآرائهم فى القضايا المختلفة زاد بشكل كبير، فلم يعد الأمر مقصوراً على المساجد والكنائس والتليفزيونات والصحف، بل كل من يملك تليفوناً ذكياً أصبح يدلى بدلوه فى قضايا علمية واقتصادية ودينية وسياسية بكل ثقة. وللأسف الناس تصدقه كلما كان أداؤه مثيراً أو كلامه غريباً أو لغته بسيطة، ولا يجب أن ننسى طلات خبير اقتصادى كان يبسّط الأزمة المصرية على الشاشات للدرجة التى كانت تحيّر الخبراء الحقيقيين؛ من خلال أرقام غير صحيحة وأفكار ساذجة، لكنه بحُسن عرضه وكاريزمته كان يجذب آلاف المشاهدين ويتهافت عليه المعدّون، والنتيجة كانت أن الناس تحتقن ضد الدولة والنظام لأنهم فاشلون فى تحقيق الأوهام المزعومة للخبير الاقتصادى.

المشهد تكرر فى أزمة كورونا، حيث خرج بعض الأطباء والصيادلة على «اليوتيوب» يحذرون الناس من التطعيمات، وهى كارثة بكل المقاييس. لقد نصّب هؤلاء أنفسهم أوصياء على أفضل علماء العالم، مما تسبب بشكل أو بآخر فى تأخر حصول المصريين على اللقاح. والغريب أن كثيراً من الأطباء قادوا عملية الامتناع، رغم ما وفّرته لهم الحكومة من أولوية فى تخصيص جرعات التطعيم لهم، وبالتالى سار خلفهم المجتمع، ولولا لطف الله لحدث ما لا تُحمد عقباه، بسبب أن صغار المتخصصين أفتوا فى موضوعات تحتاج إلى علماء وكبار، وبالطبع فإنه عند أى مواجهة أو محاسبة لهؤلاء سيخرج من يطنطن بحرية الرأى والديمقراطية وينسون أو يتناسون المسئولية الطبية والمجتمعية بل والاقتصادية.

أحيى وزير الأوقاف على الفكرة بعد أن أصبح كل شىء مباحاً دون حساب أو مسئولية، ليس الكلام فى الدين فقط لغير المتخصصين، ولكن فى كل المجالات. وفى النهاية يدفع الشعب الثمن من وعيه وصحته ونفسيته واقتصاده لأن ساحة الشأن العام بلا ضابط ولا رابط.