الردع الأمريكى «الغائب»

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

يتضمن مفهوم الردع مساحة واسعة جداً من الأفعال والتحركات المسبقة، التى تضمن منع الخصوم من القيام بتصرفات سياسية أو عسكرية تضر المصالح العليا لبلد ما. وهو يتطلب أولاً تحديد هؤلاء الخصوم ومدى قوتهم الفعلية، وقدرتهم على حشد حلفاء جدد، وحجم الموارد المتاحة لهؤلاء الخصوم وبالتالى كيفية التأثير عليها. وكما نرى فهى عملية معقدة ومتعددة المستويات، وما ينفع اليوم قد لا ينفع غداً، ومن ثم فهى عملية متغيرة بين مرحلة وأخرى.

التعريف المجمل السابق يساعدنا إلى حد ما فى استيعاب الكثير من التطورات التى تحدث فى العالم ككل جرّاء الحرب الأوكرانية. وتركيزنا اليوم هو التساؤل الذى يطرحه باحثون ومحللون أمريكيون أصحاب نزعة يمينية متطرفة إلى حد كبير ونظراء لهم إسرائيليون، حول ما يسمونه قوة الردع الأمريكية المتآكلة، ودورها فى تحفيز الرئيس بوتين على القيام بما يصفونه بالمغامرة العسكرية الكبرى فى أوكرانيا، لاستهداف الغرب فى مجمله، والقيادة الأمريكية على وجه الخصوص، والسؤال ببساطة: هل غابت بالفعل قوة الردع الأمريكية، وهل يمكن إصلاحها، وكيف؟

جوديث بيرجمان، الباحثة والكاتبة البارزة فى معهد جتيستون للعلاقات الدولية، تطرح الأمر ببساطة شديدة فى تحليل نشره المعهد قبل أربعة أيام، باعتبار أن قوة الردع الأمريكية تآكلت فى الفترة الماضية منذ فترة حكم الرئيس أوباما وإلى الآن، نتيجة الخطأ فى تحديد الأولويات الوطنية العليا، ما سبّب فراغاً فى العديد من مناطق العالم، وثغرة كبرى فى الأمن الأمريكى، نتج عنها اندفاع الخصوم السيئين من وجهة نظرها، وهم الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، للتقدم فى مساحات واسعة من العالم على حساب المصلحة الأمريكية، والقيام بتصرفات خطيرة، لم تجد الرد المناسب من واشنطن. وترى جوديث ضرورة مراجعة الأولويات وعدم الانغماس أكثر من اللازم فى قضايا مثل التغير المناخى، والانسحاب من مناطق من الشرق الأوسط والتركيز فقط على آسيا. ولتصحيح هذه الأخطاء تدعو بيرجمان إلى وضع ردع الخصوم والمنافسين على قمة الأولويات، بما فى ذلك القدرات العسكرية بأنواعها.

وفى الإعلام الإسرائيلى تنتشر العديد من المقالات، ما يمكن أن نصفه بحالة «ندب» كبرى وحسرة على «التراخى» الأمريكى فى حماية الحلفاء، ويرون أن العودة إلى الاتفاق النووى الإيرانى لن تمنع إيران من التقدم أكثر نحو صنع قنبلة نووية ما يهدد وجودهم ومستقبلهم، وأن نية واشنطن لرفع الحرس الثورى الإيرانى من قائمة الكيانات الإرهابية تزيد من الضغط على واضعى الاستراتيجيات الأمنية والدفاعية فى إسرائيل، والتى بات عليها أن تعتمد من الآن فصاعداً على نفسها فى حماية أمنها ووجودها، ولا تنتظر الدعم الخارجى، والتصرف باعتبار أن أمريكا قد لا تقدم المعونة المناسبة إذا جدّ جديد وتعرضت البلاد للخطر. وكثير من المحللين ذوى الخلفية العسكرية يرون أن موقف أمريكا من أوكرانيا يؤشر إلى نوع من الضعف، سمح بصعود مراكز نفوذ وقوى جديدة، وعلى إسرائيل أن تضع هذه التغيرات الكبرى فى الحسبان، فى إشارة إلى التمسك بعلاقات معقولة مع تلك القوى الصاعدة دولية وعدم تجاهل تلك الحقائق الجديدة فى العالم.

هذه المواقف من الداخل الأمريكى ومن أقرب حلفائها، وإن عكست درجة عالية من القلق مما يعتبرونه ضعفاً أمريكياً، فهى جزء من القلق الاستراتيجى الذى تعانيه بلدان مختلفة فى كل القارات وقوى ومؤسسات دولية عديدة، لكنه يظل ذا طابع خاص جداً بالنسبة لأمريكا ذاتها، ولإسرائيل التى تعيش أصلاً فى حالة قلق دائم حول بقائها واستمرارها كدولة لليهود فى منطقة تعج باتجاهات الرفض الوجودى لها. وإذا كانت إسرائيل تلمح إلى أن لديها بدائل دولية تلجأ إليها إذا ما ضعفت أكثر الولايات المتحدة ولم تعد بمثابة الشرطى الأوحد للعالم، فإن البحث عن استعادة قوة الردع الأمريكية يبدو غامضاً إلى حد كبير لدى أصحابها، والشق البارز الوحيد فيه هو الدعوة إلى تغيير سياسة واشنطن تجاه حلفاء تاريخيين لا سيما فى الشرق الأوسط، ولكنهم تعرضوا للغدر من السياسة الأمريكية فى العقدين الماضيين مرات عديدة، وباتوا أقل اكتراثاً لمراعاة مصالحها وأقل رغبة فى التماهى الكربونى مع مطالبها.

تصحيح هذه المواقف بات مطلوباً بشدة من وجهة نظر الداعين لاستعادة قوة الردع الأمريكية الغائبة، وهى دعوة تجسد بشكل غير مباشر المأزق الكبير الذى تعانيه واشنطن من جانب، ومدى قدرة القوى المحلية على تغيير اتجاهات بعض الأحداث المهمة بدون ضجة، حفاظاً على مصالحهم العليا وبعيداً عن ضغوط واشنطن التى لم تعد بنفس فاعليتها السابقة.

فى الداخل الأمريكى يبدو المطلوب من دعاة تصحيح الخلل فى الردع، مجموعة من السياسات الصارمة، من قبيل تطبيق سياسة خشنة إلى أبعد مدى تجاه روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، مع ما يتطلبه ذلك من التلويح باستخدام الأسلحة النووية عند الضرورة، وإنشاء المزيد من التحالفات فى أقاليم مختلفة، ومحاربة النفوذ الاقتصادى الصينى المتصاعد بقوة فى قارتى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتقييد الواردات الروسية من الأسلحة لتلك البلدان المتأرجحة بين علاقات مع واشنطن وأخرى مع روسيا، هذا على المدى المتوسط، أما فى المدى الزمنى المباشر فيتمثل فى الإفشال الكامل للحملة العسكرية الروسية فى أوكرانيا، ومنع الأخيرة من قبول المطالب الروسية لوقف الحرب.

هذه الخطة أو الأفكار المختلفة لاستعادة الردع الأمريكى الغائب، ليست جديدة فى حد ذاتها. وفى أمريكا ذاتها طُرحت مشروعات طموحة لضمان هيمنتها وسيطرتها على شئون العالم فى القرن الحالى وما بعده من زمن مفتوح. وكلنا يتذكر شعار القرن 21، وهو القرن الأمريكى، الذى رفعه غلاة الجمهوريين، كموجِّه لاستراتيجية أمريكية تضمن بقاءها قوة وحيدة على قمة النظام الدولى دون منافس. والآن أين هذا الشعار الطموح؟ لا أحد يجرؤ على القول إنه قابل للتطبيق فى ظل حالة المنافسة الصعبة مع قوتين كبيرتين مثل الصين وروسيا، تصاحبها حالة ترقب وقلق من مواقف مستقلة لقوى إقليمية ودولية كالهند وجنوب أفريقيا والبرازيل والمكسيك وباكستان وإندونيسيا، وغيرهم كثير، فضلاً عن الكثير جداً من القوى الرائدة فى الشرق الأوسط والتى تؤثر فى الكثير من الملفات التى تتداخل مع النفوذ الأمريكى، وتؤثر بشدة على أوضاعه الكلية. ويبدو أن الداعين إلى استعادة قوة الردع الغائبة لا يدركون طبيعة اللحظة الجارية، باعتبارها لحظة ميلاد صعبة لعالم جديد، لن يعرف قوة ردع واحدة ساحقة ماحقة سواء لأمريكا أو لغيرها.