«نفيسة العلم» قبلة الباحثين عن الشفاء و«دوا العيان»

كتب: إسراء حامد

«نفيسة العلم» قبلة الباحثين عن الشفاء و«دوا العيان»

«نفيسة العلم» قبلة الباحثين عن الشفاء و«دوا العيان»

«كم حاربتنا بشدة بجيوشها حتى ضاق صدرنا من لقائها وانزعج فلما يئست من زوالها جاءت ألطاف ربى تسعى بالفرج».. يرددونها فى طوافهم تارة باليأس ومرات بالأمل عسى أن تمدهم صاحبة المقام «السيدة نفسية العلوم» بنفحاتها ليشفوا من أمراضهم بعد الصبر على رحلات العلاج الشاقة بالمستشفيات، فتزول عنهم أسقام طالما أفزعتهم من مخدعهم وجعلت سكرات الموت أهون عليهم. توسلات المرضى وسط الضريح المبارك تشبه صراخهم وجعاً داخل المستشفيات، تدع أثراً داخل المكان وتصبغ السياج الذهبى اللامع الملتف حول ضريح السيدة نفيسة بدعاء الشفاء، بينما ينعكس على نفوسهم بحالة روحانية وهدوء، توزع عليهم نفحاتها، لا وساطة لديها للتفرقة بين صغير أو غنى وفقير، الكل أمامها سواء لطرد لعنة المرض وجلب الشفاء. بالقرب من مدخل الضريح الذى يلمع فى عيون الناظرين بالعقود المرتكزة على أعمدة رخامية منقوشة، تميل جليلة عبدالراضى برأسها على الجدران خلفها، تسرح بخيالها عن اليوم الذى يأتى قريباً وهى واقفة على قدميها سليمة معافاة دون كرسى متحرك بعد أن أقعدتها عملية جراحية أجرتها بمستشفى خاص، وأصبحت بعد 3 سنوات فى عداد الموتى وطريحة الفراش، وعندما تحسنت قليلاً استسلمت للمرض، وبات لزاماً على أولادها التنقل بها من عيادة إلى أخرى. اعتادت «جليلة» زيارة مقام السيدة نفيسة كل خميس أسبوعياً، يوم محفور فى ذاكرتها لا تنساه أو تتغيب عنه، العيد الحقيقى ولحظة الشفاء الروحانى والجسمانى عند تجلى الضريح أمام عينيها «يا رب أسألك الشفاء»، فور ترديدها هذه العبارة تشعر برفع جبال الأحمال من فوق صدرها، وكأن روح السيدة نفيسة تمنحها القوة لتحمل الألم «كل يوم السيدة بتيجى لى فى المنام بتوعدنى بإنى هقوم وأجرى وأبقى أقوى من الحصان». فتاة عشرينية تجلس إلى جوار «جليلة» تلتقط أطراف الحديث منها محاولة إقناعها أن الشافى هو الله، قائلة: «مفيش حد ممكن يشفى غير ربك»، فتنهرها السيدة الخمسينية: «ربنا كبير، بس الست نفيسة وعدتنى بالشفا»، فتنهض الثانية من مكانها، بعد أن تردد الشهادة والاستغفار وتصلى ركعتين، طالبة من الله شفاءها. [FirstQuote] عمرو إمام جاء يحدوه الرجاء من قرية «سمنود»، مقبلاً بقلب سليم لزيارة مقام السيدة نفيسة وتقديم النذور والدعاء لوالدته، بأن يشفيها الله أثناء إجراء عملية إزالة حصوات بالكلى، بعد أن حلم بـ«سيدة العلوم» تزوره فى المنام وتطلب منه الزيارة لأنها صاحبة السر فى الشفاء، حسبما يؤكد: «حلمت أن والدتى مع السيدة نفيسة بتعمل لها عملية جراحية، وأمى بعدها رجعت أحسن من الأول، ولما سألت والدتى أكدت لى أن جسمها عليه علامات عملية جراحية حديثة، فرددت فى الحال: مدد يا صاحبة الكرامات، وجيت أزورها وأشكرها وأطلب الشفاء». بين المشعوذين والعلاج بالأعشاب حيرة لم تنتهِ بعدُ؛ فاليأس حل عليها بسبب فشلها فى العلاج داخل أروقة مستشفى قنا الجامعى، ولا تريد أن تعاقب أبناءها بمرضها، فهم أيضاً يشعرون بمأساتها، لكن ما باليد حيلة؛ لذا قدمت من الصعيد يحدوها الأمل والرجاء، «الحاجة زبيدة»، صاحبة الـ75 عاماً، ظلت تكتم مرضها فى صدرها، باحثة عن سبل جديدة لعلاج ضعف بصرها، وعلى مقربة من مقام السيدة نفيسة تشعر بالأمان، وترى نور الدنيا التى لم تنتظر أن تعيده إليها، «بركات الست نفيسة لا تعد، جيت أزورها وأطمع فى رضاها، تشفينى وترجع لى بصرى، لأنها صاحبة المعجزات». تمددت السيدة العجوز عند حائط الضريح الذى يقصده الجميع أملاً فى الشفاء، بينما يرقد صاحبه تحت الثرى قبل قرون طويلة؛ حيث لا طبيب رق لحالها أو علاج حصلت عليه منذ بداية رحلة العلاج قبل 25 عاماً، أجهشت فى البكاء حين تذكرت أن عليها نذراً لا تستطيع أن توفيه إذا أعادت لها السيدة نفيسة نعمة البصر، «وعدت السيدة إنى هدبح لها 3 عجول وهوزع عيش ولحمة، ومش عارفة لو ربنا شفانى هجيب فلوس منين»، لا تطمع فى العلاج بقدر خوفها من عدم قدرتها على سداد الدين، قائلة وبداخلها يقين قرب الفرج: «متأكدة إنى هرجع أشوف ببركة الست الطاهرة». داخل المشهد النفيسى، كانت جالسة، متأملة، صامتة، كلما ضاقت بها الدنيا، لجأت إلى مقام السيدة، حيث السكون يغمرها، يُخمد كل أوجاعها بنور المكان، تصلى ركعتين، ثم تولى وجهها ناحية الضريح المبارك، تتوجه بالدعاء لله، ثم تسترق النظر إلى المقام، تتحسس السياج، وتعاود تلاوة القرآن وقراءة الأذكار، طقوس يومية متبعة فى قاموس حياة سهير عاطف، كلما سنحت الفرصة بذلك. روايات كثيرة تتردد حول معجزات السيدة نفيسة فى علاج أمراض مستعصية بقولة «نظرة ومدد» أو مجرد الوقوف على باب ضريحها؛ فكثيرون يطلقون عليها «أم العواجز»، تتقاسم اللقب مع السيدة زينب، يعتقدون أنها الشفاء حيث لا شافى سواها بعد ربهم، هكذا تربت «سهير» داخل الحى المجاور للسيدة نفيسة، فإذا أصيب أحدهم بداء هرولوا إليها وفى صدورهم يقين أن الشفاء قادم.[SecondQuote] يتعرض للسخرية والانتقاد من كل جيرانه، الذين سبقوه إلى المستشفيات؛ حيث مصدر العلاج كما عهد المصريون، يضيق صدره من فلسفتهم فى الحياة: «ربنا خلق الداء وترك لنا فرصة البحث عن الدواء»، نظرية يؤمن بها جلال عبدالتواب تماماً، لكنه يبحث عن الدواء الروحى قبل الشفاء الجسدى، الذى يجده دائماً بجوار السيدة نفيسة: «لفيت كل أضرحة أولياء الله الصالحين، علشان ألاقى علاج لجلدى اللى بيتساقط، وما حدش عرف العلاج، علشان كده بقعد عند مقام السيدة نفيسة لأنه أكتر مكان بحبه». يتردد على مقام السيدة نفيسة كلما زاد يأسه من العلاج الذى احتار فيه الأطباء؛ فالبعض يؤكد أنه مرض سرطانى نادر، وسواهم يؤكد أنه مرض نفسى عميق، وفى النهاية لا يشعر «جلال» بجدوى الطب فى علاجه، فيتوجه إلى مقام أم العلوم باسطاً يديه إلى السماء، راجياً الله فى الشفاء، قائلاً: «يا رب أسألك العافية، ولا تحرم أحداً منها»، بعدها ينظر إلى مقام السيدة نفيسة مستحضراً سنوات المرض أمام عينيه، قائلاً: «فكى ضيقتى واشفينى من كل وجع يا ست يا طيبة». جزء كبير من علاج الرجل الثلاثينى يستقيه من مريدى السيدة نفيسة؛ فبجانب ممارسته طقوس الدعاء والرجاء، يجالس الحاضرين إلى المقام، يسألهم عن مرضهم وأسبابه، فيشعر حقاً بمقولة «اللى يشوف مصيبة غيره...»، يحاول الفضفضة معهم، والتهوين على حاله، «الحمد لله، عنده الشفا اللى بنتمناه». 10 سنوات تائهة فى دروب المستشفيات الحكومية والخاصة والعيادات، جربت كل أنواع العلاج لشفاء وحيدها، «نجلاء» لم تسمع عن طريقة لعلاج التلعثم أو صعوبة الكلام التى حرمته من حقه فى التعليم وحقها فى الأمومة وسماع كلمة «أمى» كغيرها من الأمهات، جربت كل الطرق حتى فاض بها الكيل، وجاءها الرجاء فى نصيحة جارتها التى أكدت لها أن ابنها «لسانه مربوط»، فى البداية لجأت للعلاج بالمس والسحر، وعندما نضبت الطرق والوسائل، توجهت إلى أولياء الله الصالحين: «السيدة نفيسة دى حبيبتى ونور عينى وطلباتها أوامر، بس تشفى لى ابنى»، تعتقد أن العلاج لن يخرج من الضريح الذى لا يتسع لمقدار إحدى غرف المستشفيات الحكومية التى قطعت طريقها ذهاباً وإياباً، «أمى الله يرحمها جت لى فى المنام ونصحتنى آجى بابنى للسيدة نفيسة، وربنا هيفك عقدته». حركة غير عادية حول ضريح السيدة نفيسة، خاصة يومى الأحد والجمعة؛ فالمريدون من المرضى اتخذوا من هذه الأيام موسماً للتبرك والاستشفاء، من بينهم: هالة كمال، التى تقصد السيدة نفيسة لسؤالها عن الإنجاب، تتمنى أن ينعم الله عليها بطفل، عقب تلقيها كل أنواع العقاقير للعلاج من العقم، الأمر الذى يهدد استمرار حياتها الزوجية، نظراً لحرص شريك حياتها على ذرية تحمل اسمه كما اعتاد أهل الصعيد، فتخاطب ضريحها والدموع فى عينيها: «يا ست يا طاهرة فكى ضيقى، احتار الأطبة فى حالى»، لم تكن تؤمن فى البداية بجدوى الأضرحة؛ فالسيدة الثلاثينية حاصلة على مؤهل عال، لكنها يئست من كل الحلول الطبية و«دوخة» المستشفيات والعيادات، مضيفة: «طلبوا منى تحاليل وأدوية، لأنى 11 سنة متجوزة، ونفسى ستنا نفيسة تتوسط لى عند ربنا يراضينى بعيل ولا عيلة».[ThirdQuote] شال أخضر ملفوف حول رأسه وعنقه، يمسك بعصا خشبية، يردد كلمات غير مفهومة، يجلس على الجانب الآخر للضريح، «مدد يا سيدة نفيسة» لا تخلو من لسانه، فيتوافد عليه المريدون ليمنحوه النفحات والعطايا، وهو سيد حنفى، أحد الدراويش الذين يقبعون فى رحاب السيدة نفيسة، قضى نصف عمره متنقلاً بين موالد طنطا والقاهرة، إلى أن استقر فى منطقة السيدة نفيسة؛ حيث أعجبه الحال والرزق الوفير، الناتج عن تكالب المرضى والمحتاجين على الضريح أملاً فى العلاج: «السيدة اسمها كريمة الضرير، عايشة أو ميتة هى اللى بتنصف العيان وترجع له عافيته بعد ربنا». «بركة السيدة نفيسة لا تحل إلا على من يرضى عنه الشيخ سيد».. هكذا يصف نفسه: «الشخص البخيل بماله على الغلابة اللى زينا، ربنا يبخل عليه بالصحة طبعاً»، اعتقاد ألفه الرجل الذى بلغ من العمر أرذله، لم يذهب إلى طبيب أو يعرف سوى الشفاء من زيارة أضرحة الأولياء؛ ولذا اعتاد أن ينصح كل مريدى السيدة نفيسة: «ربنا منح البركة كلها لضريح السيدة نفيسة، أى حد يأتى عندها بأمر من الله بيُشفى، ولو عاجز ما بيتحركش من تكرار الزيارات ربنا بيكرمه ويشفيه، لو وزع ندور وعيش بلحمة أو فلوس يبقى أكيد هيُشفى، ربنا واضع البركة فى مقامها الطاهر». احتار البعض إذا كانت نصيحة الشيخ «سيد» عن تجربة أم طلباً لتحصيل المزيد من المال؛ فمعظم المرضى لا يردون سؤاله، لكن الأهم ألا ينساهم فى دعائه: «حبايب السيدة نفيسة بيعطولى اللى فيه النصيب وأنا بطلب لهم الرضا».