بلاد توك شو

أمير العمري

أمير العمري

كاتب صحفي

تفوقت دراما الانتخابات الرئاسية المصرية، بما يحوطها من حوادث وأحداث وطرائف وصراعات، على دراما المسلسلات التليفزيونية التى تُعرف باسم «أوبرا الصابون» وتمتلىء عادة بالمبالغات والمفارقات. ولا شك أن كُتَّاب الدراما والمسلسلات بإمكانهم العثور على مادة درامية هائلة فى «مولد» الانتخابات الرئاسية. خذ عندك مثالا، قصة أم أبوإسماعيل التى أصبحت فجأة شخصية عامة يهتم بها الرأى العام خصوصا مع التأثير المغناطيسى لبرامج الـ«توك شو» المسائية التى تُعرض يومياً والتى أصبحت بديلاً عن القراءة! حكاية أم إسماعيل، ومن أين جاءت، وكيف أنها كانت من هواة الاستماع لأم كلثوم، ولم تكن من المتشددات دينياً، وكيف حصلت أو لم تحصل على الجنسية الأمريكية، وهل الداخلية تعلم علم اليقين بحصولها على تلك الجنسية أم لا تعلم، وكيف أدت هذه القصة العجيبة إلى التأثير فى شعبية مولانا الشيخ حازم، وانتهت أيضا إلى استبعاده من سباق انتخابات الرئاسة؟.. كل هذه العناصر الميلودرامية الفاقعة تصلح لتطعيم دراما جاهزة بـ(بلاش) أمام كُتَّاب الكوميديا الهزلية ومسلسلات الصابون! لكن الظاهرة الأكثر إثارة للانتباه أن تتحول برامج الـ«توك شو»، التى يدمن على مشاهدتها يومياً عشرات الملايين من البشر، إلى ما يشبه الصحافة الرائجة فى الغرب التى تسمى تجاوزاً «الصحافة الشعبية» أى صحافة «التابلويد» التى تهتم عادة بالفضائح وأخبار أبناء النخبة الاجتماعية فى عالم السياسة والفن بتركيز خاص على مغامراتهم وفضائحهم وغير ذلك. بدلاً من تأصيل الظاهرة السياسية الجديدة بأبعادها المختلفة وظهور تيارات جديدة لم يكن معروفاً عنها الاهتمام بالسياسة، من ضمن ما ظهر على الساحة فى مصر بعد ثورة 25 يناير، أصبحت برامج الـ«توك شو» فى معظمها تجرى وراء المواضيع «الساخنة» وتبحث عن المواد المثيرة التى تُعرض بدلاً من أن تُحلل، وعندما تدعى أنها تستخدم بعض «المحللاتية» لتحليل الظواهر والأحداث، يبدو على كثير من هؤلاء أعراض «تصفية الحسابات»، ويصبح هناك كراسى ثابتة لشخصيات معينة فى برامج الـ«توك شو»، يفتون فى كل شىء؛ السياسة والفن والتاريخ والعسكرية وعلم النفس والجمال والقبح والفهلوة! وأصبح المشاهد يتساءل: مَن الذى يخدم مَن، ومَن الذى يدفع لمَن، وهل تستفيد تلك البرامج من وراء استضافة شخصيات معينة طوال الوقت؟ وهل هناك مَن يصدر تعليمات بفرض أسماء معينة على تلك البرامج التى تكاثرت وأصبحت ظاهرة سرطانية تتوالد بسرعة، أقلها جيد ومفيد، وأكثرها غث وردىء؟ وهل تولد هذه البرامج بدافع الرغبة فى التنوير، أم أنها أصبحت ظاهرة تفرضها الإعلانات التليفزيونية؟ وإذا كان من حق البعض الاستئثار بمعظم برامج الـ«توك شو»، فهل من حق المشاهد الحصول على فرصته حسب دعوة الفنان الأمريكى المتمرد من الستينات الذى طالب بضرورة إتاحة الفرصة لكل إنسان على ظهر كوكبنا للظهور، ولو مرة واحدة فى حياته، على الشاشة الصغيرة لمدة 15 دقيقة فقط؟