أخبار لها معنى

الأسبوع الماضى، نشرت الصحف المصرية مجموعة من الأخبار المتفرّقة التى لو تم تجميعها لصنعت لوحة شديدة القتامة للمجتمع المصرى فى مرحلته الراهنة.. ولا نسأل السؤال الذى أصبح متداولاً «ماذا حدث للمصريين؟» كما صاغه المفكر الكبير جلال أمين، وإنما نتجاوز ذلك لنسأل «وما الحل؟»، و«هل سيستمر الانحدار على هذا النحو كثيراً؟».. نعلم أنه فى مرحلة اضطرابات المجتمعات والثورات الاجتماعية والسياسية يحدث للمجتمعات نوع مما سماه ألبير كاميه «الأنوميا الاجتماعية»، التى تعنى فقدان المجتمع أخلاقياته وقوانينه، فيصبح كل شىء جائزاً، وتصبح الأخلاق «عملة قديمة»، وتنقلب المعايير رأساً على عقب.. غير أن ما نمر به يحدث منذ فترة، قبل الثورة حدث، وأثناء الثورة استمر، وبعد الثورة تزايد.. أى أن الموضوع غير متعلق بمرحلة ثورة مجتمعية.. ونعلم أيضاً أن كبر حجم المجتمع وتزايد عدد سكانه يؤدى إلى ازدياد عدد الانحرافات الاجتماعية، وإلى شيوع «ثقافة الزحمة»، حيث كل شىء مباح، وكل شىء غير مرتبط بقوانين ولا معايير أخلاقية.. ولكن، أمامنا اليابان، أكبر منا فى عدد السكان بمقدار الضعف، ولكن العملية الأخلاقية منضبطة أشد الانضباط.. وأمامنا الصين، خُمس سكان العالم، الذى يحكم القانون كل شىء، ويتحكم فى كل شىء.. فما بالضبط المشكلة المصرية؟ يبدو أن التفسير الخاص بالخصوصية المصرية سيلعب دوراً فى هذا المجال.. مما نشرته الصحف الأسبوع الماضى خبر يقول «اتهم صبيان ناظر مدرسة يمتلك مخبزاً بالعياط فى الجيزة بهتك عرضهما، وممارسة الرذيلة معهما بالقوة.. وكشفت التحقيقات أن ناظر مدرسة، يملك مخبزاً ويعمل لديه مجموعة من العمال، أجبر اثنين عمرهما 17 سنة على ممارسة الرذيلة معه، حيث هتك عرضهما وهددهما باتهامهما بسرقة المخبز حال عدم الانصياع لرغباته، ولم يكتفِ بذلك وإنما طلب منهما أن يمارسا الرذيلة مع بعضهما وصورهما فيديو لإجبارهما على تكرار الفعل معه. وأضافت التحقيقات، أن الفيديوهات التى التقطها المتهم للضحيتين بدأت تتسرّب فى المنطقة، فهرعا إلى مركز شرطة العياط وأبلغا عن الواقعة».. خبر آخر يشير إلى «حادثة غريبة من نوعها، حيث تجرد عامل بورشة كاوتش وصديقه من كل معانى المشاعر الإنسانية وقاما بنفخ طفل 9 سنوات بدعوى الهزار معه. وأفادت التحريات بقيام المتهمين بنفخ المجنى عليه بعد وضع خرطوم الهواء فى دبره بدعوى الهزار». أما الخبر الفاجعة، الذى بدأ يتكرر كثيراً، فيشير إلى الأب الذى عاشر ابنته تسعة أشهر: «علاقتى بمراتى سيئة جداً وكانت دايماً بتبعد عنى وتهجرنى فى الفراش وترفض تدينى حقوقى الشرعية.. أنا تعبت من الحرمان وفكرت أريح نفسى وأفرغ طاقتى الجنسية مع بنتى (ياسمين)، وبالفعل اقتربت منها وراودتها عن نفسها وقلت لها أبوكى تعبان يا بنتى وعايز أرتاح، أنا باتعذب وأمك مقاطعانى، إلى أن استسلمت وسلمت جسدها لى فنمت معاها وعاشرتها معاشرة الأزواج طول الفترة اللى فاتت، وماخطرش فى بالى أبداً أنها تحمل منى، لكن أهو حصل عشان ربنا أراد يفضحنى وأنال العقاب فى الدنيا قبل الآخرة».. والمؤكد أننا حالياً لا نحتاج إلى «توصيف للمشكلة»، فهى واضحة، ومحدّدة المعالم، وكثيرة التفاصيل، وإنما نحتاج إلى «استراتيجية للمواجهة»، وإلى «روشتة علاج شاملة».. علينا الاعتراف بأن مجتمعنا «بعافية حبتين»، وعلينا الاعتراف بأن الأخلاق التى كانت شعاراً للمجتمع المصرى أو لغالبيته لم تعد كذلك، ودعونا نعترف بأن «الريف المصرى»، وأولاد البلد فى الأماكن الشعبية لم يعودوا كما كانوا سابقاً، فمعظم هذه الحوادث الغريبة و«المقرفة» تحدث فى هذه الأماكن للأسف الشديد.. هذه التحولات والتغيرات تتطلب استراتيجية ثقافية متعددة المحاور.. وهنا يبرز دور وزارة الثقافة، التى اختزل البعض دورها فى إصدار الكتب والمهرجانات الفنية.. وهنا يبرز دور وسائل الإعلام، التى يصر العاملون فيها على الاستمرار فى تصديرها لنا «كجزء من المشكلة»، فى حين أننا نراها تصلح لأن تكون «جزءاً من الحل».. دعونا نطلقها دعوة مجتمعية لإصلاح المايل، ولعودة الأمور إلى طبيعتها، قبل أن نتحسر بعد فوات الأوان على ضياع هذه الفرصة..