الجريمة فى الأمثال الشعبية (2)

فى إطار هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان «الجريمة فى الأمثال الشعبية»، نتناول اليوم أحد الأمثال المتداولة كثيراً على الألسنة فى مصر والعالم العربى، وهو «قالوا للحرامى احلف.. قال جالك الفرج». وتعود قصة هذا المثل إلى أن رجلاً محتالاً كان يطوف بين التجار فى الأسواق ويشجعهم على أن يتبرعوا للفقراء والمساكين، إلا أنه ظل يستولى على كل تلك العطايا، دون أن يصل منها شىء إلى مستحقيها، حيث كان التجار يعطونه ولا يسألونه عن مصير الأموال، حتى ذهب ذات يوم إلى تاجر كبير كان قد حل بالبلدة منذ أيام قليلة فروى له القصص والأخبار وطلب منه التبرع للأرامل والأيتام، فرحب التاجر بالفكرة، ولكنه اشترط أن يحلف له بعد إتمام عملية التوزيع بأنه قد منح المال لمستحقيه، فتهلل وجه المحتال فرحاً واستعد للحلف على أن يكون ذلك بعد توزيعه لجميع العطايا. وبالفعل، وبناء على استعداده لحلف اليمين، سلَّم التاجر له صرة من الدنانير، فأخذها المحتال فرحاً بنجاح خطته وأخذ يفكر فى حيلة يمكنه من خلالها الحلف، دون أن يصيبه مكروه من القسَم الكذب، وجاءته فكرة خبيثة تتمثل فى أن يصطحب زوجته وطفليه إلى صحراء جرداء، حيث لا أحد يراهم، وطلب منهم خلع ثيابهم فى الحال، وعندها سلَّم المحتال صرة النقود لزوجته وطفليه. وفى اليوم التالى، ذهب إلى التاجر الذى أعطاه المال، وبعد أن ألقى عليه التحية، حلف قائلاً: ها أنا أقسم برب السماء أن مالك قد ذهب إلى عائلة فى العراء، ليس لديهم بيت أو طعام أو كساء! وهكذا، واعتقاداً منه بأن أمواله قد ذهبت إلى مستحقيها، فرح التاجر متوهماً صدق المحتال. ويبدو أن هذا المحتال قد كشف أمره بعد ذلك، فكان هذا المثل.

ورغم أن هذه القصة قديمة، ورغم أن أصل المثل يعود إلى عهود بعيدة، فإن هذا الإنسان المحتال ذا النفس المريضة لا يزال يعيش بيننا حتى اليوم فى صور مختلفة وأساليب متنوعة، ويقدم بكل جرأة على أكل أموال الناس بالباطل، دون أن يردعه قسَم أو يمين. ورغم أن المثل قد يوحى بأن الأمر يتعلق بجرائم السرقة، فإن تطبيقاته القضائية موجودة فى الدعاوى المدنية دون غيرها. إذ لا يجوز تحليف المتهم اليمين فى القضايا الجنائية. وكل ما يجوز فى هذا الصدد هو تحليف الشهود. أما القضاء المدنى، فيعترف لليمين بدور ما فى الإثبات. والأصل فى ذلك هو الحديث النبوى الشريف الذى يقول: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادَّعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعى واليمين على من أنكر». وروى الإمام مسلم فى صحيحه أن الأشعث بن قيس، رضى الله عنه، قال: كانت بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله: «شاهداك أو يمينه».

وهذه القاعدة ما زالت مطبقة فى قوانين الإثبات العربية، التى تعرف اليمين كإحدى طرق الإثبات. ويميز المشرِّع فى هذا الصدد بين نوعين من اليمين، هما اليمين الحاسمة واليمين المتممة. واليمين الحاسمة هى اليمين التى يوجهها أحد المتخاصمين لخصمه، محتكماً بذلك إلى ضميره، لحسم النزاع بينهما. أما اليمين المتممة، فهى اليمين التى يوجهها القاضى من تلقاء نفسه لأى من الخصمين عند عدم كفاية ما قدمه الخصم من دليل، ليتممه باليمين، وهى بذلك ذات أثر تكميلى.

أما التشريعات الأوروبية، فهى تعرف فقط الشق الأول من القاعدة، وهو (البينة على المدعى)، فلا يجوز فى هذه التشريعات اللجوء إلى اليمين عند غياب البينة. ويتم التعبير عن قاعدة (البينة على المدعى) فى التشريعات اللاتينية بعبارة (The burden of proof)، وتعنى أن عبء الإثبات يقع دائماً على الشخص الذى يزعم حقوقاً معينة مستحقة له لدى الغير. وقد يستغرب البعض أن التشريعات العربية لا تزال تعتمد على اليمين كوسيلة للإثبات، مسترجعاً المثل الشعبى الشهير (قالوا للحرامى احلف.. قال جالك الفرج). والواقع أن اللوم ينبغى أن يوجه بشكل أساسى إلى الدائن أو صاحب المال الذى فرط فى حقه، فلم يحتَط ولم يعمل بالآية القرآنية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ». وإذا كان البعض قد يجد حرجاً فى أن يطلب ورقة مكتوبة من المدين، فإن من الواجب التذكير بأن نبى الله إبراهيم قد خاطب ربه قائلاً: «رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيِى الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى». وعلى كل حال، وفى ظل التطور التكنولوجى، أعتقد أن الاعتماد على الأدلة القولية، مثل اليمين والشهادة، سيقل لصالح الأدلة المادية. بقى أن نذكر أخيراً أن اللجوء إلى اليمين فى الإثبات يعتمد على يقظة الضمير. وجدير بالذكر فى هذا الشأن أن العالم يحتفل سنوياً فى الخامس من أبريل باليوم الدولى للضمير.