نقيبة التمريض والتفرغ للفن
من أطرف ما قرأت مؤخراً الخبر المتداول عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى حول الدعوى القضائية التى قامت برفعها السيدة كوثر محمود أمام القضاء الإدارى بمجلس الدولة، بصفتها نقيب التمريض، التى تطالب فيها بمنع عرض مسلسل «الكبير» فى جزئه السادس، والطرافة هنا أن السيدة كوثر، وهى فى ذات الوقت عضو مجلس الشيوخ، قد سلكت نفس مسلك زملائها من رؤساء نقابتى الفنانين والموسيقيين، الذين يتركون المصالح الحقيقية لأعضاء نقاباتهم ويسعون للفرقعات الإعلامية، زاعمين الحفاظ على صورة أعضاء نقابتهم!
لقد شهدت مهنة التمريض فى مصر تطوراً واضحاً، خاصة بعد التعدد الكبير فى الكليات ومعاهد التمريض المدنية والعسكرية، وأصبح الممرضون والممرضات المصريون يحصلون على شهادات عليا ومتوسطة فى هذا المجال، حتى إن أصحاب الكفاءة منهم أصبحوا ذوى قيمة وخبرة نادرة، وكثيراً ما أراهم عن قرب فى أقسام العناية المركزة والأقسام الأخرى ودورهم الذى لا يقل عن دور الأطباء كما يحدث فى أى مكان فى العالم، وهم يحققون نجاحاً فى مستشفيات كبرى استثمارية وحكومية وتعليمية وعسكرية، ولكن هناك أيضاً منهم من لا يزال تنطبق عليه الصورة القديمة بسلبياتها التى نعرفها جميعاً ونتمنى أن تطالهم يد التغيير.
لكن الغريب فى الأمر أن هؤلاء المطلوب تطوير أدائهم وتحديث علمهم ورفع الروح الإنسانية لديهم، وتحسين صورتهم الحقيقية لا يجدون من يمد لهم يد المساعدة، فمن الواضح أن نقابتهم ورئيستها مشغولان بالفن أكثر من انشغالهما بأمور شديدة الأهمية لأعضاء النقابة! فلم نسمع مثلاً أن نقابة التمريض تقدم معاشات محترمة لأعضائها، ولم نسمع أنها تقيم دورات تدريبية لتطوير أداء الأعضاء، أو حتى أنها تحاسب من يسىء إلى صورة الممرض وهم موجودون بالفعل، وغيرها مما يشكل صلب العمل النقابى!
لكن النقابة ونقيبتها مهتمة جداً بالفن وبصورة الممرضة، فبالرجوع لنشاط السيدة النقيبة فى العامين الأخيرين كان أبرز نشاط لها هو مهاجمة فيلم «يوم وليلة» ورفع دعوى قضائية لإيقافه، ثم مهاجمة المسلسل الكوميدى «الكبير» والتهديد برفع دعوى قضائية لإيقافه، لكنها ناشدت الرئيس فى الأولى التدخل -ولا أعرف لماذا تناشد رئيس الجمهورية لإيقاف فيلم- بينما لم تناشده -والحمد لله- لإيقاف المسلسل، لكنها أخذت تسوق تفسيرات مثيرة للسخرية تنم عن عدم إدراك لدورها الحقيقى.
الحقيقة أن السيدة النقيبة هى من تسىء لمهنة التمريض حين تتفرغ لتتبع أعمال فنية من الواضح أنها لا تستهدف المهنة فى حد ذاتها، وتترك صلب دورها النقابى ومصالح أعضاء نقابتها، ولو تتبع كل نقيب الأعمال الفنية المعروضة لأصبحنا فى كارثة محققة، وستصبح الأعمال الفنية هى مجموعة من أهل المدينة الفاضلة الذين لا يخطئون ولا يضحكون، وستختفى أدوار الشر وتصبح كل الشخصيات خيرة.
أتمنى لو أن السيدة النقيبة قد تفرغت لتطوير نقابة التمريض وتقديم الخدمات الحقيقية لأعضائها وتحسين مستواهم المهنى والمعيشى، فكل هذا لن يترك لها وقتاً لتتبع أعمال فنية، ولكنه سيسجل اسمها فى سجل شرف نقابتها، بدلاً من اقتران اسمها برفع دعاوى على الأفلام والمسلسلات، لأن العمل الجاد هو ما يبقى.