«أحلام سعيدة».. دراما هادئة مليئة بتفاصيل نسائية بلا «صعابنيات»
فى أحيان كثيرة نحتاج إلى واحة من الهدوء، وإلى شىء رائق يمنحك حالة من السكينة، قد تضحك معه وتتأمل بعض تفاصيله دون انفعالات كبرى.. وفى دراما رمضان 2022 يجسد مسلسل «أحلام سعيدة» للنجمة يسرا تلك الحالة من خلال دراما هادئة تهتم بالتفاصيل الصغيرة والصورة المبهجة التى تمنح العمل إيقاعاً حيوياً رشيقاً.
تدور قصة المسلسل فى إطار اجتماعى لايت كوميدى، حول «فريدة» تجسد دورها النجمة يسرا، و«شيرين» تجسدها غادة عادل، و«ليلى» التى تلعب دورها الفنانة مى كساب، وهن 3 سيدات يعانين من الأرق وصعوبة النوم، ويجمعهن القدر ويتقاسمن مشكلاتهن معاً.
من خلال تداخل العلاقات واكتشاف الأسرار ندخل عوالم السيدات الثلاث واختلافاتها، ونتعرف إلى أزمة كل منهن، وهو ما يجعلنا نسأل أنفسنا: هل نملك بعضاً من تلك التفاصيل سواء كان عدم التكيف مع المجتمع أم حالة الاغتراب الدائمة، هل الخوف هو الذى يجعل كلاً منهن تعيش فى فقاعتها الخاصة بغضّ النظر عن المستوى الاجتماعى والاقتصادى؟
ونكتشف أيضاً الدافع الذى جعل شيرين تتقرب من فريدة بعد أن صدمتها بسيارتها دون قصد، تلك المرأة المتعالية، التى تجعلك فى البداية تأخذ موقفاً منها، فهى لا تقوم سوى بإثارة المشكلات مع كل من حولها، بدءاً من العاملات فى المنزل لديها، وسائقى التاكسى، وجيرانها وصولاً لشقيقها، شخصية فريدة (يسرا) بطلة الحكاية هى امرأة تهرب من مواجهة نفسها ومشكلاتها فتعيش خارج الزمن وفى فقاعة خاصة بها تبدو كفيلم تختار هى أحداثه من وجهة نظرها تُدخل من تريد إلى عالمها وتُخرج من تريد فى اللحظة التى تقررها هى أيضاً، بداية الحلقات تدور حول تفاصيل حياتها وتاريخها.
إضافة إلى العديد من الخيوط الدرامية الأخرى التى تتضافر مع عالم الصديقات، فهناك «صدفة» الخادمة التى تعمل فى منزل البطلة، تجسّدها شيماء سيف، الوحيدة التى تحملتها، وهناك أيضاً شقيقة شيرين «نيفين»، تجسدها انتصار، وعلاقتها بزوجها «أنسى» الذى أصبح بدون عمل لذلك يقوم هو بكل المهام المنزلية، إيماناً منه بأنه يجب أن يكون له دور ويساعد زوجته التى أصبحت تعول الأسرة، وفى لحظات يفلت منها الأمر وتتعامل على أنها رجل المنزل، «نيفين» لا همّ لها سوى ما تكسبه والرغبة فى تزويج شقيقتها شيرين التى دخلت فى سن الأربعين، ولدينا صالح شقيق فريدة وعلاقتهما المعقدة وكذلك آدم ابن فريدة وعلاقته المتأزمة بوالدته.
ورغم أننا وصلنا إلى الحلقة الـ17 لم يفقد العمل تلك الحالة الرائقة التى تميزه منذ عرض أولى حلقاته، والتى خطفت العين بسبب شكل التتر، والطريقة التى لجأ إليها صانعه لكتابة أسماء النجوم والفنانين المشاركين، حيث تم وضعها على لافتات مختلفة فى شوارع الزمالك، تلك الطريقة جعلت البعض يتأمل الزمالك ويراها بعين مختلفة فى ظل تلك الصورة الرشيقة والمليئة بالحيوية.
ورغم عدم وجود صراع أو صدام، يطرح عقدة المسلسل، ولكن بعد وقوع حادث فريدة التى فقدت البصر على أثره، ويتوالى دخول الشخصيات الأخرى لعالم فريدة بعد ذلك الحادث، ونتعرف تدريجياً على حياة كل منهن وتفاصيلها ومعاناة الشخصيات والعقد التى تتحكم فى حياتها. المسلسل مشوق، رغم عدم وجود تحولات درامية حادة أو أحداث متلاحقة سريعة، وذلك لأن مؤلفة العمل المخرجة هالة خليل (تخوض تجربتها الأولى فى الكتابة الدرامية) غزلت تفاصيل علاقات الصداقة بين النساء الثلاث وعلاقتهن المتأزمة بدقة ورقة شديدتين، وقدمت أيضاً أجيالاً مختلفة وتفاصيل نسائية بدءاً من الفتاة المراهقة الصغيرة ابنة نيفين، وصولاً لنجمات العمل.
والحقيقة أن المخرج عمرو عرفة تعامل مع النص بشكل مختلف وأدرك أنه يقدم مسلسلاً يمتلئ بالتفاصيل، لذلك صنع له إيقاعاً خفيفاً وابتعد كثيراً عن فكرة تصنيفه كمسلسل نسوى صارخ، رغم أن العمل يتضمن الكثير من الرسائل عن النساء وذكورية المجتمع بعضها يصل إلى المباشرة والتكرار، تلك الرؤية الفنية أضافت كثيراً للعمل بدءاً من الاختيار الجيد لأماكن التصوير، وشكل الديكورات ودرجات الألوان وملابس البطلات التى تختلف حسب الشخصيات، وزوايا التصوير الواسعة والمفتوحة التى تشعرك أنك تلتقط أنفاسك بهدوء، وإدارته للفنانين معه الذين ظهروا فى أفضل حالاتهم، ومنهم مى كساب التى تقدم واحداً من أفضل أدوارها الذى أدته بإحساس عالٍ ونضج وفهم لتركيبة شخصية «ليلى»، ولها الكثير من المشاهد التى يسهل تذكرها والتوقف عندها، منها المشهد الذى اكتشفت فيه خدعة زوجها، ومشهدها وهى تحمل ابن شقيقها الرضيع وهى المرأة المحرومة من الإنجاب، غادة عادل تنضج أيضاً وتحتاج إلى الكثير من الأدوار المركبة التى تبعدها عن النمطية، وأيضا لها عدد من المشاهد المهمة فهى تعيش مع خوفها الدائم، سواء من الارتباط، أو القدرة على البوح بأخطائها، يضاف لذلك عقدة الذنب بسبب ما فعلته فى فريدة، مشهدها أمام المرآة وهى تحدّث نفسها وتتمرن على الاعتراف لفريدة، المشهد عندما دخلت فى مشادة مع زميلها بسبب رفضها فى أن يشاركها الوافد الجديد مكتبها، ولكنها عندما ترى أنه «ستيفن» الخبير الأجنبى تتحول 180 درجة، جسدت غادة تلك المشاعر المتباينة بذكاء، شيماء سيف التى لعبت دور الخادمة «صدفة» أضافت حساً كوميدياً فى العمل، ولها حضور لافت وتحديداً فى مشاهدها مع يسرا.
وتبرع يسرا فى تقديم أدق تفاصيل الشخصية «الكاركتر»، من خلال اختيار الملابس والإكسسوار وطريقة الكلام ولغة الجسد.
مسلسل «أحلام سعيدة» دراما عن عالم النساء ولكن بدون ضجيج أو كما تقول مؤلفته هالة خليل «لا للصعبانيات».