أرجوك لا تفقد الشغف
للشغف سحر خاص يقودك لتحمل سخافات العالم، به قاومت كثيراً لأبدأ رحلتى بالمهنة التى طالما أحببتها. تركت عائلتى فى بلدتى الصغيرة بمحافظة دمياط، وجئت غريبة إلى القاهرة أحمل كثيراً من الشغف، وقليلاً من الخبرة، بمرور الوقت أدركت أن الشغف هو روح أى مهنة إذا انطفأ ماتت ومات مَن يعمل بها.
لم تكن لى قدوة منذ الصغر. كنت كلما طُرِح السؤال على مسامعى بحثت عن الإجابة طويلاً فى رحلة من التيه تنتهى حتماً بالصمت.. إذن مَن قدوتى؟ وكيف أختار القدوة؟ إجابة لم أحترف الرد عليها فى صغرى، ولم أشغل بالى بالبحث عنها إلا حينما كبرت وبدأت أراقب من حولى، كان لافتاً بالنسبة لى شغف والدى -رحمة الله عليه- بمهنته، هو صاحب مصنع صغير لـ«الجبنة البيضاء»، كنت أراه يخطط لها كى يجعلها علامة مميزة دون غيرها، هو ذلك الدافع الخفى الذى يحث والدتى باستمرار على تشجيعنا لكى نصبح الأفضل، وشغفها الدائم بتصحيح مسار المخطئ فينا وتحفيز مَن أصاب.
الشغف بات لى كلمة السر فى كل شىء، هو سلاح المطرب الشهير الذى يقاوم الزمن بأغانيه المتجددة وشبابه الدائم، وهو الذى قاد لاعب الكرة المصرى لينطلق من قريته الصغيرة ليخترق قلوب الملايين فى أوروبا، بل ويصبح حديث العالم كله وأن يتغنوا باسمه. الشغف هو الذى دفعنى للاستمرار فى مهنة الصحافة وتحمل قسوتها رغم كل شىء. تعلمت الصنعة من أصعب أبوابها «باب التحقيقات» حيث الكتابة عن كل فئات الشارع المصرى، وعن كل مشكلاته دون توقف، تدمع عيناك مع الباكى وتتألم لشكوى المحتاج، وتنتفض لأزماته، لعلك تكون سبباً فى زوال محنته متى استطعت إلى ذلك سبيلاً.
بقيت فى تخصصى كصحفية تحقيقات لأكثر من 17 عاماً كاملة، حتى باتت القصص متشابهة وصار واجباً علىّ أن أبحث عن شغف جديد يخرجنى من المأزق ويحطم الجليد الذى تكوّن بمرور الوقت، لم يكن هناك طريق لذلك خير من التدريب الذى يعيد اكتشافك من جديد، فتعرف كل ما هو جديد فى المهنة، تدرك أنك ما زلت قادراً على التعلم، وما زال فى وسعك تقديم المزيد، ساعدنى على ذلك الدكتور محمود مسلم، رئيس التحرير، لإيمانه الشديد بالتدريب والتطوير، والذى حوّله من مجرد فكرة إلى وحدة تخطط وتنفذ وتمنح الجميع فرصاً متساوية لتعلم كل جديد.
مع كل فرصة تدريبية حصلت عليها تجدد الشغف لدىّ وأعدت ترتيب ذاتى بما يناسب كل جديد يطرأ على الساحة، فتعلمت من خلاله كيف تكون الصحافة العلمية وكيف تُكتب القصص الإنسانية، وكيف نصنع محتوى صحفياً مصوراً بالصوت والصورة وكيف أقوم بعمل مونتاج يسهم فى عرض الموضوعات بصورة أفضل.
لأبدأ بعدها رحلة اكتشاف جديدة، بعدما وقعت فى غرام القصص المصورة بالفيديو، فأعيد بناء موضوعاتى بصيغة مختلفة بحثاً عن سيناريو متماسك وحكايات جاذبة، لم يستغرق الأمر كثيراً، فطبيعة المهنة وتجددها الدائم فرض نفسه على الجميع، وتزامن ذلك مع تطوير جريدتى للمحتوى الرقمى الخاص بها وسعيها هى الأخرى لإنتاج مواد صحفية بصرية متميزة ساهمت بقدر كبير فى جذب أكبر عدد من القراء، لتمنحنى الثقة من جديد بتولى مسئولية البرامج بتليفزيون الوطن، وهو الحلم الذى نسعى جميعاً ليصبح تجربة فريدة ومتميزة فى عالم الصحافة الإلكترونية، اكتملت بخطة برامج قوية منذ بداية شهر رمضان الكريم ونسعى لاستكمالها فيما هو قادم بالصورة التى تليق بجمهور الوطن ومتابعيه.
تطوير آليات عملك بالمهنة لم يعد رفاهية، فهو الأساس للوصول بها إلى بر الأمان، وهو كلمة السر فى البقاء، وأداة الجذب الوحيدة لجمهور جديد وأجيال لم تعد تقرأ الأخبار، بل باتت ترغب فى مشاهدتها، وهو التغير الحتمى الذى يجب أن تسعى إليه بروح متجددة وتعيد بناء المشهد من خلاله.
تجديد الشغف مفتاح النجاة فى مهنة صاحبة الجلالة، وعلينا جميعاً أن ندرك ذلك ونسعى إليه بكل طاقتنا، وهو ما بدأت جريدة الوطن فى تحقيقه عبر رحلة تطوير ملهمة وتجدد استمر منذ انطلاقها قبل 10 سنوات، جعلها الأكثر تميزاً بين نظيراتها، لذا أدعو كل مَن يفكر فى الالتحاق بالمهنة ومَن يعمل بها ألا يفقد الشغف أبداً وأن يستمر فى تطوير ذاته مهما واجه من صعوبات.