اللعب لمنتخب « الوطن »

قبل عشر سنوات وشهر وثلاثة أيام، كنت هنا، أقف على أعتاب حلم قيل إنه مُستحيل، فباب الجريدة المُزمع انطلاقها فى القريب مغلق على مواهبه وناسه ونجومه، لا يقبل من يتقدم للانضمام إليها، الكل مرفوض إلا من وقع عليه الاختيار من قياداتها -ولكننى كنت من المحظوظين- أخبرت موظف الأمن «الشيك» الواقف فى المدخل بأنى فلان الفلانى اللى كلمونى.

بكبرياء وثقة وبعض الغرور، نظر الموظف فى كشف ورقى أمامه ليتحقّق من الاسم، وبعدها تغيّرت نظراته، ابتسم لى، واصطحبنى للطابق السادس، على طريقة موظف الأمن فى فيلم «عريس من جهة أمنية»، لا يتحدث معى، لا يبادلنى أطراف التحية «أقول له اتفضل ادخل الأسانسير يدخل، أقول له اتفضل عدى من الباب يعدى، أقف واستناه ينده عليّا مايندهش».

حالة موظف الأمن أصابتنى بالقلق، أنستنى ما فى حقيبتى التى أحملها على ظهرى من أرشيف، طيّرت من عقلى وذهنى وشنطتى كل شىء، غير طموح القبول، الذى يشتد بداخلى كلما تقدمت داخل المقر.

الآن أصبحت على بُعد خطوة، فقط أُنهى مقابلتى مع الأستاذ محمود مسلم -مدير التحرير وقتها- الرجل هادئ لا يتحدث إلا ما ندر، شامخ يجعل لمبتدئ مثلى أن يرى فيه خير مستقبل، طيب يعلم ما يدور بداخل شاب جاء يبحث عن ضالته، ابن بلد، فلازم تشرب شايه وقهوته وتسمع منه كل جُمل الترحاب. انتهى اللقاء، وتم القبول، وأصبحت ضمن فريق قُلت عنه فى ما سبق إن غالبية عناصره ظنوا أنهم جاءوا من أعلى إلى أعلى، فليس لهم أن يتحدّثوا مع شخص لا يملك من مهنته غير غروره غير المبرّر، ولا من أصوله غير «نيك نيم» ابن العمدة الذى لا يعلمون حقيقته، فسايرونى على أننى سليل الأكابر وابن العيلة اللى مش فارق معاه.

الآن أصبحت فى مأزق حقيقى، لا أدرى ماذا سأفعل، وكيف سأسير وسط هؤلاء الكبار فى المهنة، المماثلين لى فى السن أو أقل، كل شىء حولى خيالى، إلا واحد فقط، وهو أننى انضممت لمنتخب جريدة «الوطن» التى ستصدر بعد أيام، ولا شىء أمامى غير أن أصبح لاعباً أساسياً يُعتمد عليه، أو لا يُعتمد، المهم أن يكون اسمى ضمن التشكيل الرئيسى، وقد كان.

إلى ما سبق، غالبيته كلام إنشائى، لا يصنع مستقبلاً، ولا يبنى بيتاً، ولا يؤمّن مستقبل شاب يراه الناس فى محيطه من العظماء، وهو فى قرارة نفسه من أصحاب الحلم المجهول، الذى لا حقيقة فيه، وهنا بدأت الحكاية.. حكاية صناعة مستقبل على سقالات «الوطن».

بسرعة وبعيداً عن «فشر» النجاحات والانفرادات والنجومية، أصبح لى قدم على الأرض، بعدما أصبحت ابناً معتمداً لـ«الوطن»، والآن أستطيع أن أبحث عن شريكة العمر، أن أتزوجها، أن أُنجب منها طفلين، أن أركب سيارتى -اللى جبتها بالتقسيط- وأذهب إلى باب مدينة الإنتاج الإعلامى، و«أنجعص فى الكرسى»، وأنا أخبر فرد الأمن باسمى وطبيعة عملى، فيفتح لى الباب وهو يبتسم، هناك عرفت «فلان وفلان اتعرف عليا»، وأصبحت أملك رصيداً من المهنة، رصيداً من الزملاء، رصيداً من الرزق، ورصيداً من العمل، لكننى لا أُقدم نفسى إلا بـ«صحفى الوطن».

ولكن الأحلام لا تستمر، والخيال لا بد له أن يهبط لأرض المُر، فقبل عامين وأشهر، أصبحت أمام خيارين لا ثالث لهما، أن أترك الوطن، أو أن أترك الوطن، فالمكان أصبح يعج بالشباب، كل من فيه «بيجروا»، وبيشتغلوا وبيتحولوا من الورقى للإلكترونى، المكان تجدّدت دماؤه وأصبح فيه «بدل اللعيب عشرون»، أما أنا فأصبحت عجوز الزفة، مغروراً، «رخم»، لا أريد أن أتغير ولا أحب، لا أقبل بالحداثة فى المهنة، ولا يمكننى الرجوع بالزمن إلى الوراء والبدء من أول وجديد، فمكثت فى بيتى عاماً بلا صحافة -حتى اشتقت- وبلا جرى -حتى اكتأبت- وبلا جروبات «واتس آب» وخصومات وتلبيش -حتى قررت التراجع عن موقفى.

والآن يمكننى العودة والتدريب والتأقلم ومحاولة اللعب من أول وجديد، فصاحبت نفسى فى مشوار إلى قهوة «عمى وليد»، طلبت شيشتى السلوم وقهوتى المانو، واتفقت معها على أن نهاية التعلم.. هى نهاية الحياة، ورفض التجدّد.. بداية الموت، وعدم قبول الحداثة.. انهيار للحلم، وأن ربنا لا يقبل من كسول، ولا يرد ساعياً.