صدقة الليث بن سعد

مجدى علام

مجدى علام

كاتب صحفي

هل الصدقة تطيل العمر: كان الليث بن سعد يتاجر فى العسل، وذات يوم رست سفينة له محمّلة بالعسل معبأً فى براميل فأتت له سيدة عجوز تحمل وعاءً صغيراً وقالت له، أريد منك أن تملأ هذا الوعاء عسلاً لى فرفض وذهبت السيدة لحالها، ثم أمر الليث مساعده أن يعرف عنوان تلك السيدة ويأخذ لها برميلاً كاملاً من العسل، فاستعجب الرجل وقال له: لقد طلبت كمية صغيرة فرفضت وها أنت الآن تعطيها برميلاً كاملاً، فرد عليه الليث بن سعد، يا فتى إنها تطلب على قدرها، وأنا أعطيها على قدرى، لو علم المتصدق حق العلم وتصور أن صدقته تقع فى «يد الله» قبل يد الفقير، لكانت لذّة المعطى أكبر من لذّة الأخذ.

هل قرأت عن فوائد الصدقة: اسمعوا يا متصدقون أنتم ومن يعمل لإيصال الصدقة، الصدقة باب من أبواب الجنة، الصدقة أفضل الأعمال الصالحات وأفضل الصدقة إطعام الطعام، الصدقة تظل صاحبها يوم القيامة وتفك صاحبها من النار.

ثم حثّهم على الإنفاق فى طاعته، فكل مفرط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئاً يسيراً، يستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات، كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال الله تعالى، فى سورة إبراهيم آية 44، والآيتين 99، و100 من سورة المؤمنون، وأنفقوا أيها المؤمنون بالله ورسوله من الأموال التى رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت، فيقول إذا نزل به الموت: يا رب هلا أخرتنى فتمهل لى فى الأجل إلى أجل قريب، فأصدق: فأزكى مالى، وأعمل بطاعتك، وأؤدّى فرائضك، وأحج بيتك الحرام.

ما من أحد يموت ولم يؤدّ زكاة ماله ولم يحج إلا سأل الكرّة، فقالوا: لا تزال تأتينا بالشىء لا نعرفه، قال: فأنا أقرأ عليكم فى كتاب الله، قال: أؤدى زكاة مالى، قال أحج، ما يمنع أحدكم إذا كان له مال يجب عليه فيه الزكاة أن يزكى، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرّة فلا يعطاها، فقال رجل: أما تتقى الله، يسأل المؤمن الكرّة، قال نعم، فقال الرجل: فما الذى يوجب على الحج، راحلة تحمله، ونفقة تبلغه.

فأتصدق بزكاة مالى، قال الحج، يريد زكاة الأموال، فيسأل الرجعة، هلا أخرتنى، أمهلتنى، وقيل «لا» صلة فيكون الكلام بمعنى التمنى أى: لو أخرتنى فأتصدق وأزكى مالى، أى من المؤمنين، نظير قوله تعالى: ومن صلح من آبائهم (الرعد 23) (غافر 8)، وهذا قول مقاتل وجماعة، وقالوا نزلت الآية فى المنافقين، وقيل [نزلت] الآية فى المؤمنين، والمراد بالصلاح هنا، الحج: ما من أحد يموت وكان له مال لم يؤدِّ زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت.

فقوله تعالى: «وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ»، فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى «وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلاً، وكذلك سائر العبادات إذا تعين وقتها، الثانية: قوله تعالى «فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ»، سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحاً.

الثالثة: فى إنفاق الواجب خاصة دون النفل، فأما تفسيره بالزكاة، فصحيح كله عموماً وتقديراً بالمائتين، وأما القول فى الحج ففيه إشكال، لأنا إن قلنا إن الحج على التراخى، ففى المعصية فى الموت قبل الحج خلاف بين العلماء، فلا تخرج الآية عليه، وإن قلنا إن الحج على الفور، فالآية فى العموم صحيح، لأن من وجب عليه الحج فلم يؤده لقى من الله ما يود أنه رجع ليأتى بما ترك من العبادات، وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففى ذلك خلاف مشهور بين العلماء، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل فى المسائل المجتهد فيها ولا المختلف عليها، وإنما يدخل فى المتفق عليه، والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن، لأجل أن ما عدا ذلك لا يتطرق إليه تحقيق الوعيد، الرابعة: قوله تعالى، لولا أى هلّا، فيكون استفهاماً، وقيل «لا» صلة، فيكون الكلام بمعنى التمنى «فأصدق» نصب على جواب التمنى بالفاء «وأكون» عطف على «فأصدق» «وأكن» بالجزم عطفاً على موضع الفاء، لأن قوله «فأصدق» لو لم تكن الفاء، لكان مجزوماً، أى أصدق، ومثله من يضلّل الله فلا هادى له ويذرهم فى من جزم، هذه الآية أشد على أهل التوحيد، لأنه لا يتمنى الرجوع فى الدنيا أو التأخير فيها أحد له عند الله خير فى الآخرة.

يدخل فى هذا النفقات الواجبة من الزكاة والكفارات ونفقة الزوجات، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة، كبذل المال فى جميع المصالح، ليدل ذلك على أنه تعالى، لم يكلف العباد من النفقة، ما يعنتهم ويشق عليهم، بل أمرهم بإخراج جزء مما رزقهم الله الذى يسره لهم ويسر لهم أسبابه.