من «الزوجة الثانية» إلى «أشمون والمعادى»

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

فى الفيلم الخالد «الزوجة الثانية» (أكتوبر ١٩٦٧)، حين يجبر العمدة عتمان (صلاح منصور) الأجير أبوالعلا (شكرى سرحان) على تطليق زوجته قهراً، وتفريق الزوج والزوجة (سعاد حسنى) على غير رغبتهما، فيحاول شيخ البلد إقناع الطرف الضعيف المضار حتى يكمل عليه ولا يدعه يقاوم، أو حتى يتمسك بحقه فيقول له: انطاع (من الطاعة) يا ابنى إحنا غلابة، وهى رسالة خطيرة حملها هذا الفيلم الرائع كانعكاس لما يجرى فى مجتمعنا المصرى منذ قرون وعقود، ومع الأسف ما زال يبتلى به مجتمعنا حتى يومنا هذا، رغم كل التطورات الاجتماعية التى شهدها المجتمع المصرى!

تذكرت هذه المشاهد مؤخراً، حينما وقع فى شهر أبريل الماضى حادثان مؤسفان، الأول لسيدة مصرية قبطية تدعى «نيفين» فى إحدى قرى مركز أشمون بمحافظة المنوفية اسمها قرية سبك الأحد، مرض ابن هذه السيدة الطفل الصغير فتوجهت للصيدلية، لتفاجأ بالصيدلى ينهرها لعدم ارتدائها الحجاب فى نهار رمضان، وحين ردت عليه بأنها قبطية صفعها على وجهها، وحين اعترضت أكمل عليها بصفعة أخرى، فما كان من السيدة إلا أن أنها قد حررت محضراً بالواقعة، وبعد تدخل أطراف عديدة، خرج المتخاصمون يعلنون أن صلحاً قد تم بين الأفراد، ولا مانع من التقاط صورة للصلح تعلو الابتسامة أفواه الجميع إلا السيدة التى بدت غير سعيدة بما حدث، وقد تداول البعض أن الصلح قد تم فى مقابل مائة ألف جنيه.

أما الواقعة الثانية، فقد شاهدها معظمنا لفرد أمن فى كومباوند سكنى بالمعادى، وأحد السكان يهيل عليه الصفعات، وقد وقف الرجل بلا حول منه ولا قوة، وعرفنا فيما بعد أن جريمة هذا الرجل أنه قام بواجبه بعدم السماح لعدد من الأفراد بدخول هذا الكومباوند إلا بعد التأكد من وجهتهم لهذا الساكن الذى لم يعجبه أن يقوم فرد بواجبه ليتحقق ممن يدخل المكان، فكال له الصفعات أمام شهود من السكان هم مَن حركوا الواقعة بتصويرها ونشرها، ولم تمر أيام قليلة إلا ونقرأ أن فرد الأمن قد تنازل عن بلاغه ضد الساكن، وقال إنه فعل هذا دون أى مقابل!

فى الحالتين هناك كارثة مجتمعية تحدث أمام أعيننا وتتكرر فى كل يوم، وهى هذا الاستقواء والتجبر الذى نشاهده من البعض دون خوف أو وجل من الله سبحانه وتعالى، ولا من القانون أو حتى المجتمع على طريقة العمدة عتمان فى «الزوجة الثانية»، وعلى طريقتنا المصرية الأصيلة، وبدلاً من أن نحاسب المتجبر، فإننا نمارس ضغوطاً هائلة على الطرف الضعيف بحجة فعل الخير والطيب أحسن، أو كما قال الصيدلى فى القصة الأولى إنه كان يمزح!

لقد غضبت وتألمت من أجل الضحيتين، ولكن ما الحيلة، لو لم نتعلم ويترسخ لدينا أن للمجتمع حقوقاً لا تسقط بتصالح ولا بضغوط ولا بدفع مال ولا بتهديد أو وعيد، أمور كثيرة سيعتدل حالها وحالنا معها، ولكن يبدو أننا نحب الظالم ونضاعف من قهر المظلوم، وعلى ما يبدو فإن شخصية العمدة عتمان وأتباعه لن ترحل عنا بسهولة.