مدرس بـ«رُخصة»
فى الثانوية العامة، لم أحصل على مجموع كلية الطب، ولا الصيدلة، ولا الهندسة، ولا أقل منها، فقد كنت طالباً غير مثالى ولا مُقنع، مستهتراً أحياناً، عبقرياً متكاسلاً أحياناً أخرى، ولا أجيد التعامل مع الامتحانات أحياناً ثالثة، أرفض الانصياع لأوامر مُعلمىّ -كما أرفض تنفيذ طلبات رؤسائى- فكانت النتيجة «كام وتمانين%».
فقط، أتذكر «الفرخ الشامورتى المحمر» الذى كانت تأتينى به أمى فى الخفاء، محمولاً على طبق مكرونة «مولعة نار» ومعهما «صحن شوربة ونص ليمونة» طوال فترة الامتحانات، حتى أتمكن من الإمعان والتدقيق فى المذاكرة، والحصول على مجموع «أعلى من قرايبى اللى فى سنى»، ومن ثم الالتحاق بكلية الصيدلة و«أبقى دكتور قد الدنيا»، ولكن «لا فراخ أمى نفعت، ولا مصاريف أبويا شفعت».
انتهت حقبتى التعليمية وحصلت على شهادتى الجامعية بسلام، بلا ضرر أو ضرار، دون أن أحصل من تعليمى كله سوى على «كام معلومة طلعوا غلط فى الآخر»، فكان مكسبى الأوحد «مُعلمىّ»، كلٌ باسمه، من كان كريماً منهم و«بيسيب لنا فلوس الدرس»، ومن كان أباً قاسياً «عاوز مصلحتنا»، ومن كان ناصحاً أميناً، ومن جاءنا بـ«الأدب قبل العلم»، وبـ«العصا قبل الطيبة»، جميعهم فى عقلى وقلبى وفوق رأسى «حتى الأستاذ شندى اللى عصايته لسه معلّمه على ضهرى» لأنهم كانوا «مدرسين بحق وحقيقى».
ثم ماذا؟ لا شىء غير أن المنظومة تحولت لـ«شوية طلبة فى بعضهم»، فهذا «طالب فى رابعة طب وبيدرس فيزيا»، وذاك «فى تالتة هندسة وبيدى رياضة 2»، وثالثتهم «خريجة علوم وبتدى أحياء»، كهذه المنتحلة لصفة المُعلمة، التى احتمت بين عضلات زملاء زوجها فى الجيم، ودخلت إلى حلبة مصارعة wwe، لتعطى حصة مُجمعة لطلاب الثانوية العامة فى مادة الأحياء، فلا هى مُدرسة، ولا مُعينة، ولا لديها أى أساس تربوى يُعينها على فعلتها المشينة، التى جاءت بها لتضرب منظومة حديثة تعتمد فى الأساس على تدريب المعلم وتثقيفه للتعامل مع آليات «الفهم والحوار والنقاش»، وليس الحفظ والتلقين والرقص على طريقة «شيكا شيكا ضاضا هنقفّل الرياضة».
فهى -وغيرها من طلاب كليات القمة- لا يعرفون شيئاً عن المناهج الحديثة، ليس لديهم خبرة التعامل مع طلاب هذه المرحلة العمرية الحرجة، لم يحضروا اجتماعات المسئولين للحصول على آخر إرشادات التعامل مع المنظومة الإلكترونية، لم يسبق لهم المكوث فى لجان الامتحانات أو التصحيح ليشاهدوا من قريب ما يُفعل بالطلاب.
كل ما يملكه هؤلاء «شوية تنمية بشرية» حصلوا عليها من «فيديوهات اليوتيوب»، وما أكثر الجُمل الرنانة الصادرة عن أُناس «سخيفة» يملأون مواقع التواصل الاجتماعى، بجانب كونهم طلاباً بكليات القمة «ودى فى بلادنا ليها معنى كبير»، فطالب الطب طبيب منذ أول يوم له فى الجامعة، وطالب الصيدلة دكتور من لحظة كتابته للتنسيق، أما «الباشمهندس» فولد وفى يديه «المثلث والمسطرة»، ومن هنا تجىء الثقة العمياء فى هؤلاء التلامذة، الذين زادوا المنظومة التعليمية خراباً على خرابها، وضعفاً على ضعفها، و«لخبطة أكتر من اللى هى فيه».
عزيزى ولى الأمر، أنت المسئول بمفردك عن تغيير خريطة التدريس فى مصر خلال الثلاث سنوات الأخيرة، لأنك من سمحت لابنك وبنتك بالذهاب إلى طالب يكبرهم بعامين أو ثلاثة، أنت من وافقت على منحه مبالغ مالية تزيد الضعف عن المدرس الحقيقى، أنت من صرخت من نار الدروس الخصوصية، ثم تداينت ووجهت كل مرتبك لأشخاص غير مهنيين ولا موثوق فيما يفعلونه باستثناء أنهم كانوا «أوائل دفعتهم».
عزيزتى وزارة التربية والتعليم، أنتِ أيضاً مسئولة عن ترك الحبل على الغارب للعابثين بمهنة أبنائك، كان عليكِ أن تقفى منهم موقف المُدافع عن شرفه وحرفيته ومهاراته، أنتِ من تخليتِ عنهم وتركتيهم بمفردهم فى مواجهة تيار جديد اسمه «طلاب كليات القمة»، واسمحى لى أن أصدقكِ القول، كل أبنائك من المدرسين خسروا المعركة، بلا استثناء، وتفوق عليهم تلامذتهم فى «عدد الطلاب اللى فى السنتر»، وأزيدك من الفصل أبياتاً، انحنى المُدرس الأصلى أمام طالب الجامعة ومر من أمامه بسلام ليحافظ على «الكام عيل اللى عنده».
ولطالما أن الدروس الخصوصية باقية وباقية وباقية بلا نقص أو انتهاء، فالدواء المر هو أن يمارسها «صنايعية التعليم» وأبناء المهنة «اللى بحق وحقيقى» وليس الدخلاء عليها، ومن هنا تصبح «رُخصة المعلم» هى الحل الأوحد.